مالك صقور
ثمانون سنة مضت على جلاء آخر جندي فرنسي عن الأرض السورية .
في الخامس عشر من نيسان عام 1946 تمّ جلاء القوات الفرنسية عن سورية دون قيد أو شرط . وتقرّر أن يكون يوم السابع عشر من نيسان عيد الجلاء . وكان ذلك اليوم عرساً لا كالأعراس ، وهو أول عيد وطني قومي في بلادنا .
شارك في احتفال الشعب السوري في 17 نيسان عام 1946 جميع البلدان العربية . وكانت فرحة الشعب السوري بالاستقلال فرحة العرب جميعاً . فاستقلال سوريا وجلاء المحتل عن أراضيها بعث الأمل والتفاؤل واستنهض العزم والهمم في البلدان العربية التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار .
كان الجلاء في سوريا ولبنان بداية عهود الاستقلال في البلاد العربية . وفي الذكرى الثمانين للجلاء ، يقتضي الوفاء أن نُحْيِي ذكرى أبطال الجلاء : سلطان باشا الأطرش ، وإبراهيم هنانو ، والشيخ صالح العلي ، وحسن الخراط والأشمر و أحمد مريود وكل الشهداء الذين لم يبخلوا بحياتهم من أجل الوطن وحريته واستقلاله . في الذكرى الثمانين للجلاء يقتضي الوفاء والأمانة الوطنية أن نحيي ذكرى العيد الأول للجلاء صبيحة نهار الاربعاء 17نيسان 1946 ونحيي رجال الاستقلال السياسين ، ثلاثة رجال ناضلو وكافحواوضحوا ، وما زالت أسماؤهم محفورة على جدران السجون في خان الباشا وسجن القلعة وفي قلعة أرواد : شكري القوتلي رئيس الجمهورية وفارس الخوري رئيس المجلس النيابي وسعد الله الجابري رئيس جلس الوزراء . كما يقتضي الوفاء والأمانة الوطنية والقومية إحياء ذكرى سلطان باشا الأطرش في الذكرى الثمانين للجلاء كما عهدنا في كل عام . وأيضاً يقتضي الوفاء والأمانة الوطنية والقومية أن نحيي ذكرى المجاهد الشيخ صالح العلي الذي أطلق الطلقة الأولى في وجه الاستعمار الفرنسي إيذاناً ببدء الثورة . ووفاء لكل أبطال الجلاء يقتضي الوفاء أن يتجدد الاحتفال بمهرجان الشيخ صالح علي الثقافي ، الذي كان يمثل الذاكرة الوطنية القومية والثقافية . بلى ، في الذكرى الثمانين يقتضي الوفاء أن نحيي ذكرى البطل الشهيد يوسف العظمة وهو الضابط الشهم الأبي الوطني المخلص لوطنه وشعبه وجيشه الذي لم يتقبل دخول فرنسا لدمشق دون أن تلاقي مقاومة .
ذهب يوسف العظمة إلى المعركة وهو يعلم أنه لن يعود منها حياً .لأنه أبى أن تحتل فرنسا سوريا من دون أن يكتب بدمه على تراب ميسلون : ” ويلكم نحن هنا ” وقد قال للذين نصحوه بعدم المواجهة :” أعلم أننا خاسرون في معركة ميسلون وسيدخل الفرنسيون دمشق لكن على جثتي . وقال لساطع الحصري وهو يودعه قبل انطلاقه إلى ميسلون : (( إني أترك ابنتي الوحيدة أمانة في أعناقكم )) . ثم توجّه إلى القصر الملكي ليستأذن الملك في ذهابه إلى ميسلون . وفي نهاية حديثه قال للملك فيصل : (( إني أترك ابنتي الوحيدة أمانة لدى جلالتكم )) وهذا مادونه المؤرخ الكبير إحسان الهندي في كتابه : ” كفاح الشعب السوري من 1908- 1948. و في أوراق فارس الخوري وُجدت برقية بتاريخ 25 تموز 1945 . كانت البرقية من ليلى ابنة يوسف العظمة :
معالي فارس بك الخوري رئيس الوزراء :
بمناسبة ذكرى استشهاد والدي يوسف العظمة في معركتكم المشتركة من أجل قضية حرية واستقلال سورية الحبيبة ..
هذه الذكرى التي يتصادف موعدها مع الأيام الأولى للتحرير ، أود أن أهدي احترامي المتواضع وامتناني لمعاليكم وأهنئكم على نجاحكم في تخليص البلاد من نير العدو ” . كانت هذه البرقية بعد مؤتمر سان فرنسيسكو الذي تقرر فيه استقلال سورية . ويقتضي الوفاء أيضاً في ذكرى الجلاء ، أن أذكّر بمأثرة فارس الخوري في الأمم المتحدة :
في قاعة باردة ، من قاعات الأمم المتحدة ، حيث تكون الكلمات والنقاشات توزن بميزان المصالح لا بميزان الحق . كان ممثل دولة صغيرة من بلدان العالم الثالث دولة ناشئة تطالب بحريتها يقف في مواجهة مندوب امبراطورية لا تغيب عن مستعمراتها الشمس ، ولم يكن ميزان الدول معه ، لكن كان معه ميزان العدل والشجاعة والحق .
دخل فارس الخوري بطربوشه الأحمر وبدلته البيضاء ، قبل موعد الاجتماع وتوجه بسرعة إلى مقعد المندوب الفرنسي وجلس على الكرسي المخصص لفرنسا .
تعجب السفراء المتوافدون ودهشوا من تصرف فارس الخوري هذا ، ويعرفه الجميع باتزانه ورجاحة عقله . فكيف يجلس في مقعد المندوب الفرنسي ، ومقعد سوريا موجود فارغ !
ودخل المندوب الفرنسي وفوجئ بأن فارس الخوري يجلس مكانه ، فطلب إليه أن يغادر مقعده ، فهذا المقعد مخصص لفرنسا ، وأشار بإصبعه إلى علم فرنسا ، وأشار أيضاً إلى مقعد سوريا الفارغ .
لم يكترث فارس الخوري ولم يتحرك وكأنه لا يسمع . أخرج ساعته ونظر إليها وقال بصوت مرتفع كي يسمعه الجميع : 10 دقائق ، 11دقيقية .. هنا فَقَدَ المندوب الفرنسي أعصابه ، وبدأ بالصراخ في وجه فارس الخوري مطالبا بإلحاح أن يترك مقعده ، وسط ذهول جميع المندوبين .
وبقي فارس الخوري هادئا مطمئناً كأن شيئاً لم يكن . وفي الوقت نفسه استمر في التحديق في ساعته يعدّ الدقائق : 19 دقيقة ، 20 دقيقة . فهاج المندوب الفرنسي وحاول التهجم على فارس الخوري لكن السفراء حالوا بينهما ، ناظرين باستغراب ودهشة إلى فارس .
وعند انتهاء الدقيقة ال 25 وضع فارس الخوري ساعته في جيبه ، ووقف مخاطباً المندوب الفرنسي بصوت يسمعه كل من في القاعة :” سعادة السفير : جلستُ على مقعدك 25 دقيقة فكدت تقتلني غضباً وحنقاً ، وقد احتملت سوريا سفالة جنودكم 25 سنة ، وقد آن لها أن تستقل “.
ثمانون سنة على الاستقلال والجلاء
وكل عام وانتم بخير ..
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
