سعيد محمد
في تطوّر لافت، أعلن رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن حكومته ستقدّم رسمياً، اليوم، مقترحاً إلى الاتحاد الأوروبي يطالب بفسخ اتفاقية الشراكة الموقَّعة مع إسرائيل عام 1995، والتي دخلت حيّز التنفيذ في حزيران/ يونيو 2000. وقال سانشيز خلال تجمّع انتخابي في إقليم الأندلس الأحد: «حكومة تنتهك القانون الدولي، وبالتالي تنتهك مبادئ الاتحاد الأوروبي وقيمه، لا يمكن أن تكون شريكاً للاتحاد. الأمر بهذه البساطة». وأضاف أن إسبانيا «صديقة لإسرائيل»، لكنها لا تتفق مع تصرّفات حكومتها، داعياً دولاً أوروبية أخرى إلى دعم المُقترح الذي سيُطرح في اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ. ويستند الموقف الإسباني هذا إلى «المادّة الثانية» من «اتفاقية الشراكة»، التي تشترط احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية لاستمرار الامتيازات الاقتصادية والسياسية، والتي تقول مدريد إن تل أبيب خرقتها عبر ممارساتها في قطاع غزة.
وتعود جذور التوتر بين إسبانيا وإسرائيل إلى الحرب العدوانية التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضدّ القطاع الفلسطيني عقب هجوم السابع من أكتوبر، إذ اتّخذت مدريد، منذ ذلك الحين، خطوات تصعيدية شملت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وفرض حظر على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي. وتلقّى الموقف الإسباني هذا، دعماً شعبياً، تجلّى جانب منه في جمْع مبادرة «العدالة لفلسطين» أكثر من مليون توقيع تطالب الدول الأعضاء في الاتحاد بفسخ «اتفاقية الشراكة» مع إسرائيل، وتجاوُزها بذلك الحدّ الأدنى الذي يُلزِم المفوّضية الأوروبية بدراسة القضية. أيضاً، يشهد الشارع الإسباني، كما قطاعات واسعة من المجتمع المدني والنقابات والقوى اليسارية حالة من الاحتقان العارم ضدّ ما يوصف في أوساط تلك القطاعات بـ«الوحشية الإسرائيلية والغطرسة الإمبريالية الأميركية».
وكانت إسبانيا قادت، مع أيرلندا وسلوفينيا، جهوداً لمراجعة «اتفاقية الشراكة»، حظيت بدعم كلّ من بلجيكا وفنلندا وفرنسا والبرتغال والسويد ولوكسمبورغ، في حين عارضتها ألمانيا، واليونان، وإيطاليا، وهنغاريا، وقبرص، وليتوانيا، وبلغاريا، وكرواتيا. ووافق الاتحاد الأوروبي، في أيار/ مايو 2025، على مراجعة الاتفاقية؛ وبعد شهر من ذلك، أعلنت المفوّضية الأوروبية وجود «مؤشّرات» إلى انتهاك إسرائيل لالتزاماتها المتّصلة بحقوق الإنسان، لكنها لم تقترح أيّ إجراءات عملية لمواجهة تلك الانتهاكات. وتحوز الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل قيمة اقتصادية كبيرة؛ إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من 45 مليار يورو سنوياً، فيما تُعدّ إسرائيل أكبر سوق لصادرات الدفاع الأوروبية بنسبة 54%. ويعني هذا أن أيّ تعليق أو فسخ للاتفاقية ستكون له بالضرورة تبعات اقتصادية.
وتعكس هذه الأزمة انقساماً أوروبياً عميقاً تجاه إسرائيل؛ فبينما تقود إسبانيا وفرنسا المعسكر الناقم، تحتفظ دول وسط أوروبا وشرقها (هنغاريا وبولندا ودول البلطيق) بعلاقات وثيقة مع الكيان، وتعتبر الأخير شريكاً أمنياً وتقنياً مهماً. ومن جهتها، اتّبعت إسرائيل، بشخص رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، لسنوات، سياسة «فرّق تسُد» داخل الاتحاد، مستغلّةً «الفيتو» الهنغاري الجاهز دوماً لتعطيل أيّ قرارات موحّدة ضدّ إسرائيل؛ لكن سقوط رئيس الوزراء الهنغاري، فيكتور أوربان، في الانتخابات الأخيرة، قد يكون من شأنه تغيير هذه المعادلة.
وانسحب الخلاف الإسباني مع تل أبيب على العلاقة بواشنطن؛ فمع انطلاق العدوان العسكري الأميركي – الإسرائيلي ضدّ إيران في شباط/ فبراير الماضي، منعت إسبانيا استخدام قواعدها العسكرية (روتا ومورون) من جانب القوات الأميركية، كما أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الاستراتيجية المتّجهة إلى الشرق الأوسط، وسحبت دبلوماسيّيها من الولايات المتحدة. وردّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على ذلك عبر منصّة «تروث سوشال»، قائلاً: «هل نظر أحد إلى مدى سوء أداء إسبانيا؟ أرقامها المالية، ومساهمتها شبه المعدومة في الناتو ودفاعها العسكري؟ إنها مروّعة حقاً، ومن المُحزِن مشاهدتها». أيضاً، أعلن ترامب، في آذار/ مارس الفائت، أنه طلب من وزير الخزانة «قطع جميع التعاملات مع إسبانيا»، فيما حذّر خبراء من أن استمرار الخلاف مع الولايات المتحدة قد يعرّض إسبانيا لعقوبات اقتصادية أميركية، علماً أن الاقتصاد الإسباني يواجه أصلاً تحدّيات كبيرة.
انسحب الخلاف الإسباني مع تل أبيب على العلاقة بواشنطن
أمّا إسرائيلياً، فرفعت المنظّمة المدعوّة «شورات هادين» شكوى أمام «المحكمة الجنائية الدولية»، اتّهمت فيها سانشيز بارتكاب «جرائم حرب» من خلال صادرات تقنية إلى إيران. وتزعم المنظّمة أن الحكومة الإسبانية وافقت بين عامَي 2018 و2024 على صادرات بقيمة 7.2 ملايين دولار من تقنيات مزدوجة الاستخدام، شملت مفجّرات ومتفجّرات ومواد كيميائية وأدوات تحكّم دقيقة وآلات تصنيع يمكن استخدامها في إنتاج الصواريخ والمُسيّرات. وبحسب الشكوى، بلغت قيمة هذه الصادرات في عامَي 2024 و2025 حوالي 1.5 مليون دولار، وتمّ تسليم 70% منها إلى شركات حكومية أو شبه حكومية إيرانية. ونفت الحكومة الإسبانية هذه الاتهامات، لكنّ المعارضة اليمينية بزعامة سانتياغو أبا سكال – زعيم حزب «فوكس» اليميني المتطرف – هاجمت سانشيز على خلفية تلك الادّعاءات، متّهِمةً إياه «ببيع مفجّرات ومتفجّرات لإيران».
وفي خضمّ تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بدأت إسبانيا التأسيس لبناء علاقات أوثق مع الصين. وخلال زيارة رسمية لبكين الأسبوع الماضي، قال سانشيز: «أجد صعوبة كبيرة في العثور على أطراف أخرى، إلى جانب الصين، يمكنها بالفعل حلّ هذه الأزمة (في ما يتعلّق بتداعيات العدوان الأميركي – الإسرائيلي على إيران)». كما أصدرت إسبانيا، مع البرازيل والمكسيك، بياناً مشتركاً السبت الماضي، يعبّر عن «القلق العميق إزاء الأزمة الإنسانية الخطيرة التي يواجهها الشعب الكوبي»، في خطوة عدّها مراقبون تعبيراً آخرَ عن التموضع بعيداً عن السياسات الإمبريالية الأميركية. ويأتي ذلك في وقت تفرض فيه الولايات المتحدة حصاراً بحرياً خانقاً على كوبا، وتمنع وصول النفط إليها – منذ اختطاف الرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو، بداية كانون الثاني/ يناير الماضي -، وهو ما تسبّب بانقطاع الكهرباء والوقود وتوقّف العمل في مستشفيات ومصانع ومؤسّسات عامة.
ويتزامن النهج الإسباني الجديد في السياسة الخارجية مع أزمة داخلية لسانشيز؛ إذ وجّه قاضٍ في مدريد اتهاماً رسمياً إلى زوجة رئيس الوزراء، بيغونيا غوميز، بالفساد واستغلال النفوذ واختلاس أموال، وذلك في وثيقة من 39 صفحة. كما يواجه شقيق سانشيز، ديفيد، اتهامات في قضية نفوذ منفصلة. ويرى خصوم رئيس الوزراء أن تحركاته الخارجية تهدف إلى «صرف الانتباه عن فضائح الفساد»، فيما يصف بعضهم موقفه من ترامب بأنه «تسويق انتخابي بحت وليس نابعاً من قناعات». لكنّ أنصاره يرون أن توقيت التحقيقات ليس بريئاً، ويلمّحون إلى وجود أجندة يمينية داخلية مدعومة من قوى خارجية تهدف إلى الإطاحة بكلّ من يجرؤ على تحدّي الهيمنة الأميركية.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
