آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » عن عيد العمال ..و”الحقوق”

عن عيد العمال ..و”الحقوق”

 

مالك صقور

ليس يوم الأول من إيار يوماً عابراً في ” الروزنامة ” . وليس هو مجرد مناسبة تُرفع فيها الشعارات ، وتُلقى الخطابات ، والكلمات الحماسية . إنه تاريخ مكتوب بالعرق والدم . بدم أناس وعرقهم ، وبصوت ارتفع من قلب الألم والوجع والمعاناة والمكابدة ليطالب بحياة أكثر عدلاً وأكثر كرامة .
عيد العمال أو عيد العمل ، ليس مجرد مناسبة في التقويم السنوي على جدار ، بل هو رمز يختصر تاريخاً طويلاً من النضال .. وقد بدأت الشرارة الأولى في مدينة شيكاغو الأمريكية ، في الأول من أيار عام 1886 . حين انتفض العمال البائسين في هذه المدينة ، من أجل حياة كريمة . ولم تكن طلباتهم من أجل الرفاه الزائد ، بل طالبوا بالحد الأدنى من حقوقهم كي يحسوّا أنهم بشر . وأن لا يتحول هذا العامل – الإنسان إلى آلة ، أو إلى برغي في هذه الآلة . طالب عمال شيكاغو في هذا اليوم بوقف نزيف الدم ، واستنزاف قوتهم وحهدهم . طالبوا : أن تكون مدة العمل ثماني ساعات فقط . وثماني ساعات راحة . وثماني ساعات لحياتهم الخاصة .
ذلك الطلب البسيط ، وهو حق من حقوق العمال – كان ثورياً آنذاك . لكن اصطدم هذا الطلب بالواقع القاسي ، وتم رفضه بالمطلق . وتصاعدت الأحداث ، وتعقدت ، وبلغت ذروتها في ساحة ( هايماركت ) . حيث استمر الإضراب عدة أيام . وتصاعدت الاحتجاجات ، فقوبلوا بالنار ، ووقع انفجار ، وسقط ضحايا ، ثم تم اعتقال عدد من قادة الحركة العمالية ، وقدموا للمحاكمة .
لم يعرف عمال شيكاغو أنهم يكتبون درساً حقيقياً في التاريخ . وبعد ثلاث سنوات من أحداث شيكاغو التي أثمرت . أقرّ المؤتمر الإشتراكي الدولي في باريس في شهر تموز عام 1889 ، أن يكون الأول من أيار يوماً عالمياً للعمال . تخليداً لتلك الشرارة التي قال فيها العامل – الإنسان : ” كفى ” .
ومنذ ذلك اليوم المشهود من القرن التاسع عشر ، صار هذا اليوم يتكرر لا كذكرى فحسب ، بل كتذكير دائم بأن الحقوق لا تًمنح ، بل تُنتزع . وأن الكرامة لا تُقاس بالأجور فقط . بل بما يبقى من إنسانية العامل بعد يوم من العمل المضني . والذي لا يُحس به أصحاب المعامل ،
اليوم ، تغيرت طبيعة العمل ، وتطورت المعامل والمصانع والورش الميكانيكية ، وتبدلت الأتمتة والشاشات والالات المتطورة إلى خوارزميات . لكن السؤال القديم مازال قائماً : كم من الإنسان يبقى في الإنسان بعد العمل ؟! وهل تقدم العالم حقاً ؟ وقضى على الاستبداد ، واستثمار للإنسان للإنسان ؟ أم أنه أعاد صياغة الإرهاق بأدوات أكثر نعومة ، وبأساليب أكثر دهاءً ؟
الأول من أيار – يُفترض أن لا يكون احتفالاً فحسب ، بقدر ما يجب أن يكون وقفة تأمل . يوم يسأل العمال فيه : ماذا انجزنا بعد ذلك الحلم القديم ؟ وماذا تبقى منه ؟ وبين الماضي البعيد والحاضر الراهن يبقى صوت عمال شيكاغو خافتاً لكنه مستمر . يبقى صوت عمال شيكاغو يُذكرنا بأن العدالة ليست حدثاً منجزاً ، بل مساراً مفتوحاً ، وأن التاريخ في جوهره ، ليس سوى سعي الإنسان لأن يعيش بكرامة .
في عيد العمال العالمي نحيي العمال ، ونحيي المعنى والرمز الذي حملوه : أن يكون العمل جزءاً من الحياة ، لا أن تصبح الحياة كلها عملاً .. وكل عام وانتم بخير ,
(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا تمسح دمعتها… وتنهض حين يسقط جلّادٌ من ذاكرة الخوف

    بقلم: جمعان علي العمير   بفضل الله عزّ وجل، وفي لحظةٍ تشبه ارتجاف القلب حين يسمع خبرًا انتظره عمرًا كاملًا، صدر حكم الإعدام ...