غادة حداد
في ظل الاستهداف المباشر والمتواصل للصحافيين من قبل إسرائيل في جنوب لبنان، منعاً لتوثيق جرائم الاحتلال، ومحو أي سردية أخرى مسبقاً، وغياب أي مسار قضائي واضح لمحاسبة مرتكبي الجرائم، تعود قضية العدالة إلى الواجهة بوصفها معركةً مؤجّلة لا تقلّ أهمية عن التغطية الميدانية نفسها.
من استشهاد الزميلة آمال خليل إلى سلسلة طويلة من الشهداء، تتراكم الجرائم فيما الدولة اللبنانية ما زالت متردّدة في تحويل هذه القضايا إلى ملفات قانونية قابلة للملاحقة.
في هذا السياق، تتوقف رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، السي مفرج، في حديث معنا عند الثغرات القانونية، والتقصير الرسمي، ومسؤوليات المؤسسات الإعلامية، وصولاً إلى المعركة المفتوحة لحماية الصحافيين وضمان حقهم، وحق الشهداء وعائلاتهم، في العدالة.
تشدّد مفرج على أنّ استشهاد الزميلة آمال خليل يشكّل حلقةً جديدة في سلسلة الاستهدافات المباشرة للصحافيين، موضحة أنّها «الشهيدة الرقم 11 نتيجة استهداف إسرائيلي مباشر، بسبب عملها وخلال أدائه».
وأكّدت أنّ العدد الفعلي للصحافيين الشهداء أكبر من ذلك، في ظل استمرار الاعتداءات. منذ استشهاد المصور الصحافي عصام عبدالله، لم تبادر الدولة اللبنانية إلى وضع هذه الجرائم على مسار العدالة، فيما يبدأ هذا المسار بالتوثيق المنهجي. وأوضحت مفرج أنّ التوثيق قائم حالياً على مستوى النقابات والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لكنّه لا يزال غائباً على مستوى الدولة، مشيرةً إلى أنّ اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني برئاسة طارق متري بدأت خطوات في هذا الاتجاه.
الضغط للوصول إلى المحكمة الجنائية
وفي ما يتعلّق بالمساءلة القضائية، أكّدت أنّه حتى الآن لا ملف قضائياً مفتوح بجرائم حرب، منتقدةً ما وصفته بـ«الخفة في التعاطي مع مسألة أنّ إسرائيل قتلت». وأضافت أنّ معرفة وقوع الجريمة لا تكفي، بل يجب فتح ملفات قضائية واضحة تتيح للضحايا وعائلاتهم سلوك مسار العدالة، بما في ذلك إمكان اللجوء إلى محاكم خارجية.
وشدّدت على ضرورة تحرّك النيابات العامة فوراً، بالتوازي مع الحاجة إلى إقرار تشريعات تجرّم جرائم الحرب، إذ إنّ القانون اللبناني الحالي لا يتضمّن نصوصاً واضحة في هذا المجال، ما يجعل أقصى توصيف قانوني متاح هو القتل العمد، وهو توصيف «لا يعكس حجم وخطورة الجرائم المرتكبة».
ودعت مفرج إلى التحرّك على المستوى الدولي، من خلال المطالبة بانعقاد مجلس حقوق الإنسان وتشكيل لجنة تقصّي حقائق في جرائم الحرب المرتكبة في لبنان.
كما اعتبرت أنّ الخطوة الأهم تتمثّل في فتح الباب أمام المحكمة الجنائية الدولية، موضحة أنّ لبنان، رغم عدم عضويته، يمكنه الإفادة من آلية واردة في نظام روما الأساسي تخوّله منح المحكمة صلاحية التحقيق في الجرائم الواقعة على أراضيه، كما حصل في الحالة الأوكرانية.
وانتقدت تقاعس الدولة اللبنانية عن اتخاذ هذه الخطوات، مشيرة إلى وجود «مناكفات سياسية، وضغوط خارجية، وتخوّفات من تداعيات داخلية»، معتبرة أنّ هذه العوامل تعيق تحقيق العدالة. وأضافت أنّ هذه الحسابات «يجب ألا تتقدّم على حق الناس في الوصول إلى العدالة».
العدالة ولو بعد حين
مسار العدالة قد يستغرق وقتاً طويلاً، واتحاد الصحافيين والصحافيات يدرك ذلك، لكن «التاريخ يثبت أنه لا يوجد احتلال أو نظام قمعي من دون نهاية» تقول مفرح، داعيةً إلى حفظ الحقوق منذ الآن ووضعها ضمن مسار قانوني واضح، ولو استغرق ذلك عقوداً. فإسرائيل تستهدف تحديداً الصحافيين والعاملين في الخطوط الأمامية، لأنهم قادرون على نقل معلومات دقيقة حول الجرائم المرتكبة، ما يجعلهم مصدر إزعاج مباشراً، فهم أيضاً يشكّلون شبكة معلومات أساسية لزملائهم، وبالتالي فاستهدافهم يرمي إلى قطع تدفّق المعلومات من الميدان.
ووصفت هذا الاستهداف بأنه «ممنهج ومقصود»، مشيرةً إلى أنّ الضغط الإعلامي يمكن أن يغيّر بعض السلوكيات، كما حصل عند إثارة مسألة منع سيارات الإسعاف، إذ سارعت الجهات المعنية إلى نفي الاتهامات حفاظاً على صورتها أمام المجتمع الدولي. ولفتت مفرج إلى مستوى التعاطف والإدانة الدوليين غير المسبوقين في قضية آمال خليل، داعيةً لتكون هذه اللحظة فرصة للضغط باتجاه تحقيق العدالة.
ضرورة التوثيق في الجنوب
حوّل الاستهداف الإسرائيلي المباشر للصحافيين العملَ في الجنوب اللبناني إلى خطرٍ دائم، واضعاً المؤسسات الإعلامية والعاملين أمام خيارات صعبة، فإما التوجّه لتغطية الأحداث مع ما يحمله ذلك من مخاطر، أو الامتناع عن الذهاب.
من هنا تشدد مفرج على ضرورة وضع خطط واضحة لدخول وخروج الصحافيين من المناطق الخطرة، وتأمين التدريب اللازم، إضافةً إلى توفير معدات الحماية مثل الدروع والخوذ، وإلزام الصحافيين باستخدامها بشكل دائم، ليس فقط للوقاية من الاستهداف المباشر، بل أيضاً لتعزيز الحماية القانونية. لكنها تشدد في المقابل على أنّ المخاطر لا تبرّر الانسحاب من الميدان، مشيرةً إلى أنّ الإعلام الدولي أصرّ على تغطية الحرب في غزة رغم القيود والمخاطر، «لعدم ترك الساحة خالية من التوثيق».
هذا الخطر لا يطال العاملين في المؤسسات، بل يمس الصحافيين المستقلين، وتميّز مفرج بين من يتعاونون مع مؤسسات إعلامية، وهنا تقع مسؤولية حمايتهم وتأمينهم على هذه المؤسسات، وبين من يعملون بشكل فردي ويبيعون موادهم لاحقاً، وهو ما يعرّضهم لمخاطر كبيرة مقابل عائد مالي غير عادل. ودعت هؤلاء الصحافيين إلى المطالبة بحقوقهم، لا سيما في ما يتعلّق بالتأمين والمتابعة، كما نصحتهم بالعمل ضمن مجموعات بدلاً من التحرك الفردي، مع ضرورة تقييم المخاطر بشكل دقيق.
محاولات إسقاط قانون الإعلام
بعد يوم على استشهاد الزميلة آمال خليل، اجتمع النواب في المجلس ضمن لجنة فرعية في محاولة للإطاحة بقانون الإعلام الجديد وتعديلاته، رغم العمل عليه على مدى 16 عاماً، وبلوغ مراحله المتقدمة خلال السنوات الثلاث الأخيرة بمشاركة نقابية ودولية، ووفق معايير مهنية عالية، تقول مفرج.
واعتبرت أنّ هذه الخطوة تمثّل «تراجعاً وإهانة للجهود المبذولة»، داعيةً النواب، ولا سيما أعضاء اللجنة الفرعية ورئيسها النائب الياس بو صعب، إلى احترام هذا العمل والبناء عليه بدلاً من إعادة النقاش من الصفر.
يتضمّن القانون الجديد إصلاحات أساسية، منها إنشاء هيئة مستقلة لإدارة القطاع الإعلامي، وتعديل آليات المحاكمة بنقل قضايا النشر من الجزائي إلى المدني، إضافة إلى حماية الصحافيين ومصادرهم، وتعزيز حرية العمل الإعلامي، ومواجهة خطاب الكراهية، وهذا ما يهدد سلطة الأحزاب ونفوذها على المؤسسات الإعلامية، ويدفعها إلى محاولة الإطاحة بالقانون.
وختمت مفرج بتأكيد أنّ تمرير قانون مشوّه لا يخدم الحريات ولا يحمي الصحافيين، معتبرة أنّه في هذه الحالة «قد يكون غياب القانون أفضل من وجود قانون يقيّد العمل الإعلامي»، محمّلة المسؤولية للسلطة التشريعية وللناخبين في المستقبل.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
