يحيى دبوق
تضع المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، العالم أمام أسئلة إشكالية متعدّدة، على رأسها ما إذا كانت هذه المناوشات المحدودة ستدفع نحو الانزلاق إلى حرب أوسع بإرادة أميركية، أم أنها مجرّد أداة ضغط لتحسين موقف الولايات المتحدة التي باتت في أمسّ الحاجة إلى ذلك في ظلّ تشدّد إيران إزاءها؟ الجواب هنا ليس قطعياً، والمعطيات لا تؤكّد اتجاه الأمور نحو تجدّد الحرب، بل تُبقي هذا الاحتمال وارداً فقط. في الخلفية، ما زالت الهدنة القائمة بين الطرفَين، على الرغم من هشاشتها التكتيكية، صلبة نسبياً في جوهرها الاستراتيجي؛ إذ يبدو أن كلّاً من واشنطن وطهران لا تريد العودة إلى الخيارات العسكرية الشاملة، التي تكادان تتّفقان على كونها لا تصبّ في مصلحتهما. غير أن هذه الإرادة لا تنفي وجود مستوى من الخطورة، يهدّد بالعودة إلى المواجهة تدحرجاً، عبر سلسلة حوادث غير محسوبة العواقب.
في هذا السياق، تكشف محاولة الولايات المتحدة فتح مضيق هرمز عبر ما تسمّيه «مشروع الحرية»، بمشاركة من الإمارات التي يزداد سلوكها «رعونة» في ظلّ عدم تقديرها العواقب جيّداً، عن ضائقة تبحث الإدارة الأميركية عن مخرج منها، من دون أن تجرّ نفسها إلى حرب شاملة. وهكذا، لا تمثّل هذه المحاولة تحوّلاً استراتيجياً جديداً، أو تمهيداً لعملية فعلية وحاسمة لفتح المضيق، بقدر ما أنها تستهدف جسّ نبض الجانب الإيراني واختبار مدى التزامه بتهديداته. وإذ ينبئ ذلك بأن واشنطن باتت مستعدّة لمجازفة محدودة، لكي تَخرج من المأزق الراهن، فهو يأتي بعدما كانت محدودية الخيارات، واستعجال الحلول على خلفية التداعيات الاقتصادية داخلياً، دفعاها إلى اتّخاذ قرار بحصار الموانئ الإيرانية، على أمل أن يؤدّي هذا الحصار إلى تراجع طهران وتليين موقفها التفاوضي. لكن بدلاً من الانتظار الطويل الذي تتطلّبه عملية «الخنق»، والذي لا يبدو أن الولايات المتحدة تتحمّله، عمدت الأخيرة إلى ما كان عليها أن «تُجرّبه» قبل الحصار نفسه.
صبر واشنطن وقدرتها على التحمّل باتا أقلّ مما كانا عليه
وتجيء هذه المحاولات في وقت يُظهِر فيه تبادل الرسائل بين الجانبين، برعاية باكستانية، أن الفجوة التفاوضية لا تزال عميقة، وأن أيّاً من الطروحات المقدّمة، بما فيها تجزئة الاستحقاقات، لا يبدو قادراً على ردمها، وهو ما يدفع الولايات المتحدة اليوم إلى تجريب خيارات شبه عسكرية محفوفة بمجازفات لا تريدها هي في الأصل. ذلك أن واشنطن وجدت نفسها أمام خيار من اثنين: إمّا تفعيل أدواتها المُتاحة نظرياً، أو التحوّل من موقف المنتظِر الواثق، إلى موقف المنتظِر الذي يخسر يومياً بلا حراك فعلي، وهو وضع لا تريده ولا تقوى على تحمّله. وفي المقابل، يتأكّد، يوماً بعد يوم، أن إيران وصلت إلى نقطة تفوّق، نتيجة إصرارها على موقفها ومطالبها على الرغم من الضغوط المُفعّلة ضدّها؛ وهي بهذا تكسب استراتيجياً أكثر ممّا تخسر.
إزاء ذلك، يبدو أن ثمّة ثلاثة مسارات مُحتملة: الأول، وهو المُرجّح، يتمثّل في استمرار حالة اللاحرب واللاسلم مع مناوشات محدودة في المضيق، وتعزيز أدوات الضغط غير العسكري؛ إذ يحاول كلّ طرف – في هذه الحالة – رفع كلفة الاستنزاف على الخصم، من دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة. والثاني، هو التصعيد غير المقصود، حيث يؤدّي حادث بحري أو هجوم على منشأة حيوية إلى سلسلة ردود فعل تتجاوز نيّات الطرفين، وقد يتطوّر إلى مواجهة أوسع. وأمّا الثالث، فهو التوصّل إلى تفاهم مرحلي على رفع الإجراءات الأميركية المُقيِّدة مقابل ضمانات إيرانية بعدم استهداف الملاحة، ما يوفّر مساحة للتفاوض على الملف النووي لاحقاً.
قد تكون النتائج الفعلية للمحاولة الأميركية الأخيرة، تأكيداً لتقديرات سابقة بأن العودة إلى الحرب غير مُرجّحة، أكثر من كونها برهاناً على القدرات الميدانية. ومع ذلك، يبقى الخيار العسكري وارداً في حال فشل إدارة المخاطر التي يحرص عليها الطرفان؛ علماً أن أيّ مجازفة لفرض وقائع جديدة بالقوة – مثلما فعلت واشنطن – ستُقرأ كمؤشر على أزمة الطرف المبادِر، لا كدليل على متانة تموضعه.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
