آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » من الضائقة إلى المضيق.. هل يعبر الغلاء من مضيق هرمز؟

من الضائقة إلى المضيق.. هل يعبر الغلاء من مضيق هرمز؟

عبد القادر المنلا

 

 

لم تنته الضائقة التي عاشها السوريون لسنوات طويلة حتى وجدوا أنفسهم في مواجهة المضيق، إنها ذات الضائقة التي تسبب بها أصحاب المضيق، أي مجرمي النظام الإيراني أصحاب مضيق هرمز، الذين جاؤوا منذ ما يقارب عقداً ونصف إلى سوريا ليعيثوا فيها دماراً وقتلاً وإبادة، وبعد أن دحر مشروعهم في سوريا، ظلت مخلفاته المتوزعة على خريطة المنطقة تمارس ذات الدور المخرّب سياسياً وعسكرياً، والأهم اقتصادياً، وهو ما يعاني منه العالم برمته والسوريون بشكل خاص في هذه الفترة الحرجة.

منذ أيام فقط، أصابت طلقة طائشة قادمة من مضيق هرمز الاقتصاد السوري وتسببت بتضخيم الأزمة التي يرزح السوريون أصلاً تحت وطأتها الحادة، قفزت أسعار النفط قفزة واسعة لتطعن المواطن من جديد في قوت يومه، وتصيب الجراح التي لمّا تلتئم، فتعيد النزف الاقتصادي من جديد.

لسنا هنا في صدد التحليل السياسي للحدث والدور الأمريكي وما هي وجهات النظر، فنحن أمام ناتج السياسات الهمجية التي اتبعها النظام الإيراني وخطته البربرية التي سعت للسيطرة على الشرق الأوسط بكل الطرق، ومن هنا نستطيع تحميل إيران المسؤولية مرة أخرى فيما يتعلق بالخطر الاقتصادي المحدق بسوريا والمنطقة والعالم، بعد أن كانت السبب في كل الأخطار السياسية السابقة.

الخلخلة الاقتصادية التي نشأت على مستوى العالم بعد أن تورطت إيران مع الماردين الأمريكي والإسرائيلي وتبعات ذلك كله على التجارة الدولية وكل ما نتج عن إغلاق مضيق هرمز، هو أمر لا يمكن نكرانه بالتأكيد، ولكن السؤال الجوهري: هل تصدت الحكومة السورية لهذا الغول الاقتصادي بذات المرونة والحكمة الدبلوماسية التي تبديها في معالجة الأزمات الأخرى ولا سيما الدبلوماسية؟

لا شك أن السلطات السورية اليوم أمام امتحان صعب وربما يكون مصيرياً، فقبل أزمة المضيق، كان السوريون في وضع حرج وضائقة لا يكادون يتحملون تبعاتها وكانوا في انتظار انفراجة ما، حيث تآمر الغلاء والفقر والبطالة على حياتهم ولم يكونوا جاهزين لتلقي صفعة اقتصادية أخرى، ساهمت الحكومة في توجيهها ورفعت بدورها أسعار النفط مثل كل الحكومات في العالم، وهذا حقها لو أن المواطن السوري كان يعيش حياة اقتصادية متوازنة ثم فرض عليه التقشف، غير أن ظروف السوريين اليوم تختلف تماماً عن ظروف الشعوب الأخرى، ولن يكونوا قادرين على الوفاء بمتطلبات التصعيد الاقتصادي الخطير لأنهم أصلاً كانوا عاجزين عن التأقلم مع المستوى السابق من الغلاء.

ماذا تفعل الحكومة لإنقاذ قوت الناس؟ لقد دعمت بما يكفي، كما يصرح مسؤولون، ولكنها اليوم مضطرة لرفع الأسعار من جديد أسوة بالدول الأخرى، وبات استمرار الدعم يشكل خطراً على الخزينة العامة، ولكن استمرار الغلاء بهذه الصورة المتوحشة هو خطر على البلد برمتها، فأي الأخطار أولى أن تتجنبها الحكومة إن استمرت عجلة الغلاء بالدوران سواء بالارتباط مع مضيق هرمز أم بدونه؟

الحل هنا يتطلب تفكيراً خارج الصندوق، حيث يمكن للمواطن في هذه الفترة الحرجة أن يتحمل بقاء البنية التحتية متهالكة مثلاً، أن يتقلص بث القنوات التلفزيونية إلى النصف، أن تؤجل إعادة الإعمار إلى ما بعد مرور الأزمة الخانقة، أن تجمد الكثير من المشاريع القابلة للتأجيل، يمكن أن يتحمل كل شيء بخلاف الجوع وما يصاحبه من حالة ذل وشعور بالمهانة أمام أطفاله إن لم يجدوا ما يأكلوه.

لنفترض جدلاً أن القيادة الجديدة لم تنته بعد من الحرب، وأن أمامها مجموعة من المعارك التي يتوجب عليها أن تخوضها، فهل سيكون حجم الإنفاق على تلك المعارك أقل مما يمكن أن تنفقه اليوم وهي تخوض معركة الفقر وتدافع عن الناس ضد تسلط الغلاء وأزماته القاتلة؟

عندما انطلقت الثورة السورية وهي ترفع الصوت مطالبة بالحرية والكرامة، سرح خيال بعضنا: ماذا لو خصص بشار الأسد حينها عشْر المبلغ الذي سينفقه في حربه على السوريين لتحسين حياة الناس، عشر ذلك المبلغ كان كافياً لنقل حياة السوريين إلى حالة من الرفاهية، وربما لو أنفق نصف ما أنفقه في الحرب على البنية التحتية لجعل من كل محافظة سورية “دبي” أخرى، ولكان امتص غضب الشارع وأوقف الثورة ضده واستمر في الحكم.

وحسناً أنه لم يفعل، وبالطبع ما كان ليفعل ذلك حتى لو تم اقتراح الفكرة عليه بحكم تركيبة نظامه الفاشية التي لا تؤمن إلا بقمع المواطن، ولكننا اليوم أمام حكومة مختلفة تماماً من المفترض أنها تضع مصلحة المواطن كأولوية أولى. ولهذا، لا بد من إيجاد حل لأزمة الغلاء ولو على حساب أية أولوية أخرى.

ثمة معاناة ومشاكل متعددة بات بإمكانها الوقوف حائلاً بين السوريين وفرحهم بالتحرير، رغم أن الخلاص من الأسد ونظامه حدث لا يمكن إلا أن يشعر السوريين بالنشوة لأعوام طويلة قادمة، ولكن أنين المعدة الخاوية سيسد مشاعر المطحونين بسكين الجوع والفاقة ولن يترك مكاناً آخر للفرح، لقد حان الوقت لتعلن الحكومة حالة الطوارئ الاقتصادية وأن تبدأ بالتقشف قبل أن تفرض ذلك على المواطن المتقشف أصلاً، والذي بلغ أقصى حدود التقشف بحيث لم يعد يجد ما “يتقشفه”.

وخطة الطوارئ تلك تفترض بالضرورة إعادة ترتيب الأولويات والبحث عن حلول اقتصادية مبدعة تشابه تلك الحلول والخطط العسكرية التي استطاعت أن تطيح بالأسد في الوقت الذي لم تكن الإطاحة به ممكنة أو واردة بعد أن تمكن من إعادة تصدير ذاته ونظامه كخيار وحيد لسوريا بمساعدة الكثير من حلفائه، وبضغط الأمر الواقع، ويأس المجتمع الدولي من سقوطه.

العبقرية العسكرية والسياسية التي أسقطت الأسد لن تكون عاجزة عن إسقاط الغلاء والفقر وهما أسد اقتصادي لا يزال يهدد السوريين ولا بد من الإطاحة به أيضاً مهما كلف الأمر.

 

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسئلة ملحّة حول الوضع في حرب الخليج

    كتب محمد خير الوادي:   سألني بعض الأصدقاء: إلى أين تمضي الآن الأوضاع في منطقة الخليج بعد تجدد الضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران؟ ...