م.حسان نديم حسن
في بكين لا تُقرأ الزيارات الرئاسية كحدث بروتوكولي فقط فهي إشارة إلى اتجاه الريح في النظام الدولي. لذلك فإن زيارة ترامب إلى الصين للقاء شي جين بينغ لا يمكن فصلها عن التحولات العميقة التي تضرب العالم منذ سنوات ، حرب تجارية مفتوحة و سباق تكنولوجي شرس و اضطراب في سلاسل الطاقة و تآكل لفكرة “القطب الأمريكي الأوحد”.
ترامب لا يزور الصين اليوم من موقع المنتصر المطلق ولا الصين تستقبل الرجل بوصفه خصماً يمكن عزله أو احتواؤه بسهولة.
الحقيقة أن الطرفين وصلا إلى مرحلة الإدراك المتبادل بأن الصدام الكامل مكلف للغاية وأن “إدارة التنافس” أصبحت أكثر واقعية من فكرة “كسر الخصم”.
في ولايته الأولى دخل ترامب الحرب التجارية بعقلية رجل الأعمال : فرض الرسوم و الضغط على الصادرات الصينية محاولاً إعادة المصانع إلى الداخل الأمريكي واتهام بكين بسرقة التكنولوجيا وإغراق الأسواق..يومها اعتقد كثيرون أن الصين قد تتراجع تحت الضغط و ما حدث كان العكس تقريباً فالصين امتصت الصدمة و أعادت توجيه اقتصادها تدريجياً و بدأت تسرّع خطواتها نحو الاكتفاء التكنولوجي والاستقلال الصناعي.
اليوم يعود ترامب إلى بكين في ظرف مختلف تماماً فالصين لم تعد مجرد “مصنع العالم” فقد تحولت إلى منافس استراتيجي في الذكاء الاصطناعي والرقائق والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية وحتى النفوذ المالي العالمي.
أما الولايات المتحدة فرغم تفوقها العسكري والمالي فقد باتت تدرك أن فك الارتباط الكامل مع الاقتصاد الصيني شبه مستحيل دون دفع أثمان تضخمية واقتصادية هائلة.
الأهم من ذلك أن الشرق الأوسط نفسه دخل على خط المعادلة من الحرب مع إيران و اضطراب الممرات البحرية وصولاً إلى أزمة الطاقة العالمية كلها دفعت واشنطن وبكين إلى إعادة تقييم أولويات الأمن الاقتصادي فالصين تحتاج استقرار تدفق الطاقة وأمريكا تحتاج منع انهيار الأسواق العالمية و هنا تحديداً تظهر البراغماتية التي يتقنها ترامب وشي معاً.
لكن خلف الصور الدبلوماسية توجد معركة أعمق بكثير : من سيقود القرن الحادي والعشرين؟
واشنطن ترى أن بكين تحاول إعادة تشكيل النظام الدولي بعيداً عن الهيمنة الغربية عبر الاقتصاد والتكنولوجيا و التحالفات التجارية بينما تعتبر الصين أن أمريكا تستخدم مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والقيود التقنية كأدوات لإبطاء صعودها الاستراتيجي.
قضية تايوان تبقى القنبلة المؤجلة في العلاقة بين الطرفين فكل تقدم اقتصادي أو تفاهم تجاري يبقى هشاً أمام احتمال انفجار عسكري في بحر الصين الجنوبي ولهذا فإن أي تفاهمات حقيقية بين ترامب وشي ستكون مرتبطة عملياً بوضع خطوط حمراء تمنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
في الداخل الأمريكي سيحاول ترامب استثمار الزيارة انتخابياً بوصفه “الرجل القادر على التفاوض مع الصين من موقع القوة” أما بكين فستحاول تقديم نفسها كقوة عقلانية مستقرة مقابل الفوضى السياسية الغربية المتزايدة.
ومع ذلك فإن أخطر ما في الزيارة ليس ما سيُقال علناً بل ما تعكسه ضمنياً بأن العالم يتجه نحو ثنائية قطبية جديدة لكن بملامح مختلفة عن الحرب الباردة القديمة.
الصراع اليوم ليس أيديولوجياً فقط فقد أصبح صراع على التكنولوجيا والطاقة والبيانات وسلاسل الإمداد وحتى على تعريف من يملك حق كتابة قواعد الاقتصاد العالمي.
زيارة ترامب إلى الصين ليست محاولة مصالحة ولا إعلان مواجهة شاملة ، هي اعتراف متبادل بأن زمن الهيمنة الأحادية انتهى وأن المرحلة القادمة ستكون إدارة دقيقة لصراع طويل بين قوتين تعرف كل منهما أن إسقاط الأخرى بالكامل قد يؤدي إلى إسقاط النظام العالمي نفسه.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
