آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الفن بين الرسالة والحرية.. ما مسؤولية الفنان تجاه المجتمع؟

الفن بين الرسالة والحرية.. ما مسؤولية الفنان تجاه المجتمع؟

رانيا حكمت صقر

يسعى الفن دائماً بكافة أشكاله للتأثير في الناس ونقل أفكار قد تكون حول قضية ما أو موقف أو حتى تعبير جمالي، ومن هنا يمكن فتح باب النقاش حول سؤال قد يراودنا، هل الفن رسالة أم حرية مطلقة؟ وما هو دور الفن في المجتمع، وهل يجب أن يكون للفنان هدف ورسالة يريد طرحهما من خلال أعماله، أم الفن هو مساحة له للتعبير الشخصي من دون القيود؟

حرية ورسالة

تبدي الفنانة الحروفية دولت خليل لـ” الثورة السورية” برأيها قائلة: “بين الرسالة والحرية المطلقة أجد أن الفن حرية ورسالة معاً لا تعارض بينهما.

والفن بالنسبة لها حرية، والحرية ليست نقيض الرسالة، هي شرطها، فالفنان حين يقيد لا يستطيع أن يقول الحقيقة، ولا يستطيع أن يعبر بشكل حقيقي، وتضيف: “رسالتي في الفن لا تأتي إلا من داخلي من قيمي ومن إنسانيتي ولا أستطيع تقديم هذه الرسالة من دون مناخ من الحرية، ولطالما كان الفن وعبر العصور مؤثراً في المجتمعات على اختلافها، ويمكننا القول: إن الفن يصبح مؤثراً حين يمس الناس مباشرة، لا حين يبقى داخل المعارض “.

وكذلك، هو مؤثر حين يتحول إلى ذاكرة جمعية، وحين يشعر الناس أنه يتحدث عنهم أو لهم، ومن هنا “لا يمكننا إغفال دور الفن المهم جداً خاصة في فترات الحروب.

كما تشير الخليل إلى أنه ليس بالضرورة أن يحمل العمل الفني فكرة مباشرة أو واضحة لكن من الضروري أن يحمل إحساساً واضحاً وصادقاً، حيث يمكن لعمل فني عبارة عن كتل لونية متناغمة أن يصل لقلوب الناس ويحرك مشاعرهم، كما أن قراءة العمل الفني تعود للمتلقي، حتى لو لم يكن فناناً أو ناقداً فنياً أو لديه خلفية فنية، كل حسب كيف يستقبل هذا العمل”.

وإلى أي مدى يمكن أن يعبر الفن عن شخصية الفنان ترى خليل أن جزءاً من شخصية الفنان موجودة في كل عمل فنّي ينجزه، فالفن هو مرآة للفنان، يظهر فيه مزاجه، وذاكرته، وبيئته، والطريقة التي يرى ويقرأ فيها العالم، حتى عندما يحاول رسم موضوع بعيد عنه، يبقى جزء من روحه مختبئاً في اللون والخط والمنحنيات أي كل تفاصيل العمل.

ورغم الحرية المطلقة وعدم وجود قيود لحرية الفنان أو قيود قانونية لكن هناك حدود أخلاقية شخصية تعود للفنان نفسه، تؤكد خليل إيمانها بعدم وجود قيود على الفن لكن تؤمن أيضاً بمسؤولية الفنان، وبالنسبة لها الفن يجب أن يكون إنسانياً، ويجب ألا ينشر الفنان إلا ما هو صادق و إنساني حتى لو كان مؤلماً، ولكن يجب ألا يحرّض هذا الفن على الكراهية ولا يمسّ مقدسات أو معتقدات الآخرين بسوء ولا يقدّم العنف وكأنه شيء عادي وهذا ما نرجوه من جميع الناس سواءً أكانوا فنانين أم لا.

وتجد خليل أن دور الفن في نقل قضايا الإنسان هو خيار إذا اختار الفنان أن يكون ملتزماً وأن يحمل على عاتقه قضايا الإنسان فدوره مهم جداً وكبير في تسليط الضوء على هذه القضايا، فالفن يمكن أن يكون صوتاً للقضايا، كما أن الفن قادرعلى منح القضايا الإنسانية صوتاً بصرياً يصل للعالم ولأكبر شريحة من الناس من دون ترجمة.

على الصعيد الشخصي تفضل الخليل نقل قضايا الناس بأسلوبها، كما تفضل أن تكون قريبة منهم، وتقول: ” يمكن للفن أن يغير أفكار الناس، لكنه لا يفعل ذلك بطريقة مباشرة، الفن يغير الإنسان بهدوء، بتأثير ناعم، ويفتح نافذة داخل قلب الإنسان، ويجعله يرى العالم من زاوية لم يرها من قبل.

وتوضح، أحياناً لوحة واحدة قد لا تغير رأياً سياسياً مثلاً، لكنها تغير شعوراً، ومع الوقت الشعور الجديد يغير الفكرة”، أيضاً الجمال وحده لا يكفي لنجاح العمل الفني، بأنه نسبي تماماً، وما “أراه جميلاً مختلفٌ عما يراه سواي جميلاً”، وبعيداً عن نسبية الجمال، فإن الجمال قد يجذب لكنّه غير كافٍ لجعل عمل فني خالداً، فلا بد من اجتماع الجمال مع الإحساس العالي وصدق المشاعر حتى يعيش العمل في ذاكرة الناس.

وأيضاً تأثير البيئة والمجتمع في الفن تأثير واضح لأن جزءاً كبيراً من هوية الفنان تشكله البيئة والمجتمع المحيط، فالبيئة تمنح الفنان ألوانه ورموزه، والمجتمع يمنحه قصصه ووجعه وفرحه، وتقول: “أنا مثلًا لا أستطيع فصل فني عن سوريا عن الزيتون وعن قمح هذه البلاد وياسمينها وبيوتها القديمة الأصيلة، لأنها ذاكرة وهوية.

تنوه الخليل في ختام حديثها الى أن “الفن هو طريقة نلجأ إليها نحن الفنانين لنحمي به أنفسنا من قسوة الأيام ونحمي إنسانيتنا، وهو وسيلتنا للحفاظ عليها، وهو طريقتنا في التواصل مع العالم ، والفن ضرورة ملحّة في كل الأوقات، وهو علاج، فأغزر النتاجات الفنية الحقيقية وأكثرها إبداعاً تلك التي أبدعها وأنتجها فنانون عاشوا فترات الحروب فكانوا بأعمالهم صوتاً للموجوعين والمعذبين، صوتاً للألم وللأمل اللذين عاش عليهما الناس”.

مرآة الفنان

بدوره، يجد الفنان التشكيلي خضر السالم أن الفن من دون حرية الإحساس بالرسالة يبقى بلا معنى، ويصبح مؤثراً في المجتمع عندما يلمس شيئاً حقيقياً داخل الناس، فعندما يشاهد الشخص لوحة أو جدارية يشعر بأنها تعبر عنه وعن وجعه، وليس بالضرورة أن يحمل العمل الفني فكرة واضحة، قد يكون جمال اللوحة بـ “غموضها”، والفن التجريدي أو الرمزي يعطي مساحة للمشاهد أن يفكر ويفسر العمل بطريقته وعلى ذوقه.

ويرى السالم خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن الفن هو مرآة الفنان كل خط كل ضربة فرشاة وحتى الألوان التي يختارها تأتي من مزاجه وتجاربه، أما الحدود التي تحكم حرية الفنان فهي الأخلاق التي يتمتع بها ليأتي دوره في نقل قضايا الإنسان، فاللوحة تستطيع نقل الوجع الإنساني وتجعل القضية بالذاكرة لا تموت.

ويوضح أن الفن لديه قدرة على تغيير وعي الناس وطريقة تفكيرهم، ومع الوقت هذا الوعي هو الذي يغير المجتمع، والجمال البصري والإتقان يجذبان العين بالمسافة الأولى لكن هذا لا يكفي ليعيش العمل الفني لوقت أطول، ويقول “اللوحة الناجحة هي اللي تجعلك تتأملها لوقت طويل وتحرك فيك شيئاً ما”.

وتعد البيئة هي المخزون الذي يستمد منه الفنان أفكاره، والألوان المحيطة به، تفاصيل الأماكن، وواقع مجتمعه، كلها تفرض حالها على نوع الفن الذي يقدمه طبيعته، وبحسب السالم هناك طريقان للفن، طريق تجاري وسريع للترفيه ومواكبة “التريند” وطريق آخر أصيل يعود فيه الفنان للخامات الكلاسيكية ليعبر عن نفسه بصدق بعيداً عن زحمة “السوشال ميديا”.

وهنا تكمن مسؤولية الفن، بأن يكون صادقاً بتقديمه ويحترم عقل المشاهد ويحاول أن يرفع من الذوق العام بعمل مميز ومتعوب عليه، واختلاف مفهوم الفن بين جيل وآخر أمر طبيعي، فالجيل القديم يمكن أن يرى الفن بالقواعد الصارمة والواقعية، والجيل الجديد يرى الفن بالفكرة العميقة أو بالتبسيط والدمج مع التكنولوجيا، حسب السالم.

رسالة هادفة

في هذا السياق، ركزت التشكيلية دعاء عبود في حديثها لـ “الثورة السورية” على مسؤولية الفنان تجاه جمهوره من خلال تقديم محتوى يحمل رسائل هادفة، وينقل صوراً إيجابية إلى جانب صور إبداعية، وذلك لأن الفنان شخصية عامة يُحتذى بها، ومن هنا يصبح ملتزماً بقضايا مجتمعه ومواكباً لهموم الناس.

ويتحقق ذلك، بحسب عبود، من خلال مشاركته في فعاليات فنية تجعله يترقب ردود فعل المتلقي ومدى تأثره، وهذا ما استخلصته من وحي تجربتها عبر المعارض والفعاليات الفنية، والتي كان آخرها محطة استثنائية في مسيرتها الفنية من خلال مشاركتها في معرض أقيم في مدينة إدلب بعنوان “حين تهدأ البنادق”.

حمل المعرض رسالة واضحة مفادها أن الفن السوري لطالما كان وما زال يعكس عمقاً حضارياً وإرثاً إنسانياً غنياً، وتحديداً في مدينة إدلب، حيث كانت هناك العديد من الصور النمطية الخاطئة عن المدينة.

ويُعد هذا المعرض الأول من نوعه في إدلب الذي يجمع فنانين من عدة محافظات سورية بعد سنوات من الحرب، في خطوة تهدف إلى تعزيز التواصل الثقافي وكسر الحواجز بين المناطق، وبناء جسور المحبة والسلام، عبر مجموعة متنوعة من اللوحات والأعمال الفنية التي تجسد مرحلة التعافي، وتعبر عن تطلعات السوريين للحياة والسلام.

وأشارت عبود إلى أن مشاركتها في هذا المعرض تُعتبر مثالاً يمكن من خلاله الرؤية بوضوح أن الفن رسالة وحرية مطلقة معاً، وهو أمر أساسي وجوهري لتحقيق بعده الإنساني والإبداعي في آن واحد.

يمكننا القول: إن التوازن بين الرسالة والحرية المطلقة هو ما يحقق للفن مسؤولياته تجاه المجتمع، وهنا يكمن تأثيره وقوته.

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ماجد المهندس يقطع حفله في أميركا للحظات.. مفاجأة غير متوقعة على المسرح

شهد حفل الفنان العراقي ماجد المهندس في مدينة ديترويت الأمريكية لحظة استثنائية خطفت أنظار الحاضرين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحول المسرح إلى ساحة للاحتفال ...