آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » مقدمة ابن خلدون… قراءة فلسفية لقوانين صعود الدول وانهيارها

مقدمة ابن خلدون… قراءة فلسفية لقوانين صعود الدول وانهيارها

 

 

تفتتح سانا الثقافية بهذه القراءة زاويتها الأسبوعية الجديدة “أمهات الكتب”، التي ستنشرها أسبوعياً، لتعيد من خلالها تقديم أبرز مؤلفات المؤسسة في التراث العربي والإسلامي، قراءةً في سياقاتها الفكرية والتاريخية، وفي أثرها الممتد على الثقافة والفكر حتى اليوم.

 

وفي باكورة هذه الزاوية نقف عند كتاب “مقدمة ابن خلدون”، أحد أكثر المؤلفات تأثيراً في الفكر الإنساني، والذي كتبه عبد الرحمن ابن خلدون في عزلته بقلعة ابن سلامة بالجزائر أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، وسط عالمٍ تمزقه الحروب والأوبئة والانقسامات السياسية.

 

شكّلت “المقدمة” مشروعاً فكرياً رائداً في تفسير قوانين صعود الدول وسقوطها، وتحليل الاجتماع البشري والعوامل التي تصنع الحضارات أو تقودها إلى الانهيار، حتى وصف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي ابن خلدون بأنه قدّم فلسفة للتاريخ تُعد من أعظم ما أبدعته العبقرية الإنسانية.

 

من الأندلس إلى تونس… سيرة تشكلت وسط التحولات

بحسب ما أورده الباحث علي عبد الواحد وافي في تحقيقه ودراسته لمقدمة ابن خلدون، فإن أسرة ابن خلدون هاجرت من أشبيلية في الأندلس، بعد سقوط المدينة عام 1248 م على يد فرناندو الثالث ملك قشتالة وليون، حيث عاشت العائلة في تونس التي ولد فيها عبد الرحمن ابن خلدون سنة 1332 م.

 

ويشير المؤرخ والمفكر المغربي عبد السلام الشدادي في دراساته حول السيرة الخلدونية، إلى أن تجربة ابن خلدون السياسية وتنقله بين تونس وفاس وغرناطة والقاهرة أسهمت في تشكيل رؤيته الفكرية حول نشوء الدول وسقوطها.

 

كان فقد والديه مبكراً بسبب الطاعون الأسود، بمثابة تجربة تركت أثراً عميقاً في نظرته إلى الإنسان والمجتمع، كما أن تنقله بين تونس وفاس وغرناطة والقاهرة، وتوليه مناصب متعددة في القضاء والوزارة والكتابة والسفارة، واطلاعه على آليات السلطة في زمنه وتحولات الدول من الداخل، زرع في ذهنه سؤالاً فكرياً محورياً: لماذا تنهض الدول ثم تنهار؟

 

ويؤكد المفكر الفرنسي إيف لاكوست في كتابه “ابن خلدون: ولادة التاريخ وماضي العالم الثالث”، أن ابن خلدون أسس من خلال علم العمران البشري رؤية جديدة لفهم التاريخ تقوم على تحليل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 

ووفقاً للمستشرق الألماني فرانتز روزنتال، فإن ابن خلدون سبق مفكري أوروبا الحديثة في بناء منهج علمي لدراسة المجتمع، الأمر الذي دفع عدداً من الباحثين إلى اعتباره المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع قبل أوغست كونت بعدة قرون.

 

العصبية… القوة التي تصنع الدول

يشير المفكر الشدادي إلى أن مفهوم العصبية كان حجر الأساس في النظرية الخلدونية، ولم يكن يقصد بها التعصب القبلي بمعناه الضيق، بل التماسك الاجتماعي والشعور الجماعي بالتضامن والانتماء.

 

ابن خلدون كان يرى أن الدول تنشأ حين تمتلك جماعة ما عصبية قوية تدفعها إلى التوسع والسيطرة، لكنها تبدأ بالتراجع عندما تفقد هذه العصبية بفعل الترف والانقسام وضعف الروابط الاجتماعية، مفسراً بموجب ذلك سقوط دول وإمبراطوريات كبرى، فالانهيار يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في صورة هزيمة عسكرية أو غزو خارجي.

 

دورة الحضارة… من الصعود إلى الأفول

البريطاني توينبي في كتابه “دراسة التاريخ” وجد أن ابن خلدون قسم عمر الدولة إلى مراحل متعاقبة، تبدأ بالصعود حيث تكون العصبية قوية والقيادة قريبة من الناس، ثم تصل الدولة إلى الذروة مع اتساع النفوذ والثروة، قبل أن تبدأ مرحلة الترف والانفصال عن المجتمع.

 

وفي المرحلة الأخيرة تتآكل الروابط الداخلية ويستشري الفساد والانقسام، فتغدو الدولة أكثر هشاشة أمام الأزمات والصراعات، حيث لخّص هذه الفكرة بقوله: “إن الدولة تشبه الإنسان في عمره الطبيعي، فالجيل الأول يبني، والثاني يحافظ، بينما يستهلك الثالث ما بناه السابقون”.

 

رؤية اقتصادية سبقت عصرها

شمولية فكر ابن خلدون حدده الباحث وافي، مؤكداً أن أهمية المقدمة لا تقتصر على الاجتماع والسياسة، بل تمتد إلى الاقتصاد أيضاً، إذ ربط ازدهار الدول بالإنتاج والعمل لا بتكديس الثروات، كما حلّل أثر الضرائب المرتفعة في تراجع النشاط الاقتصادي، محذراً من الاقتصادات الريعية التي تقوم على استنزاف المجتمع بدلاً من تنمية الإنتاج.

 

ويشير وافي إلى أن المقدمة تميّزت كذلك بمنهج نقدي غير مسبوق في قراءة التاريخ، حيث رفض ابن خلدون قبول الروايات لمجرد تداولها، ودعا إلى إخضاعها للعقل والمنطق وطبيعة العمران البشري، معتبراً أن التاريخ ليس جمعاً للأخبار بل فهم للقوانين التي تتحكم بحركة المجتمعات.

 

كما يوضح وافي أن “المقدمة” وُلدت في عصر شهد انهيارات كبرى كالغزو المغولي وتراجع الأندلس وانتشار الطاعون، ما جعلها محاولة فكرية لفهم أسباب الخراب الحضاري، بينما شكّل لقاء ابن خلدون بالقائد المغولي تيمورلنك أثناء حصار دمشق عام 1401 واحدة من أبرز المحطات السياسية والفكرية في حياته.

 

بحسب ما أورده المفكر التونسي محمد الطالبي في كتابه “دراسات عن مقدمة ابن خلدون”، فإن المقدمة رغم قيمتها الفكرية الكبيرة، بقيت لقرون ضمن نطاق محدود من التداول العلمي، قبل أن يعيد المستشرقون الأوروبيون اكتشافها في القرن الـ 19 بعد العثور على مخطوطاتها في مكتبات شمال أفريقيا، لتتحول لاحقاً إلى مرجع أساسي في الدراسات التاريخية والاجتماعية والفلسفية.

 

ومنذ ذلك الحين، أصبح اسم ابن خلدون حاضراً في الجامعات العالمية بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين قدّموا قراءة مبكرة وعميقة لقوانين نشوء الحضارات وتحولاتها وسقوطها.

 

مفكر يتجدد حضوره مع كل أزمة

لا تزال أفكار ابن خلدون تُستعاد كلما واجه العالم أزمات سياسية أو اجتماعية كبرى، لأن تحليلاته للعصبية والسلطة والانهيار لا تزال قادرة على تفسير كثير من التحولات الحديثة.

 

وفي هذا السياق، رأى المفكر السوري الراحل الطيب تيزيني في مداخلة قدمها ضمن الندوة الدولية التي أقيمت في القاهرة سنة 2006عن حياة وأعمال مؤسس علم الاجتماع عبد الرحمن ابن خلدون، والتي تتزامن مع الذكرى المئوية السادسة لرحيله، أن تراث ابن خلدون يظل حقلاً مفتوحاً للبحث العلمي العربي والعالمي، وخصوصاً في ظل التحولات والانكسارات المعاصرة.

 

كما أشار الناقد المصري جابر عصفور في مقال نشره بمجلة العربي الكويتية، إلى أن عقل ابن خلدون كان يبحث دائماً عن العلل والأسباب والعلاقات التي تربط الظواهر ببعضها، وهو ما جعله يتجاوز حدود عصره إلى أفقٍ فكري لا يزال حاضراً حتى اليوم.

 

تحقيقات «المقدمة»… من المخطوط إلى العالمية

شهدت المقدمة عبر العقود عدداً كبيراً من الطبعات والتحقيقات العلمية التي أسهمت في إعادة تقديم النص الخلدوني بصورة دقيقة ومعاصرة، ومن أبرزها تحقيق إبراهيم شبوح وإحسان عباس المعتمد على مخطوطات موثقة، وطبعة الدكتور علي عبد الواحد وافي التي تميزت بشروحها وهوامشها التفسيرية، إضافة إلى تحقيق المؤرخ المغربي عبد السلام الشدادي القائم على مقابلة أقدم النسخ المعروفة.

 

كما أسهم المستشرق الألماني فرانتز روزنتال في التعريف العالمي بالمقدمة من خلال دراساته وترجمته الإنكليزية التي عُدت من أبرز الأعمال الأكاديمية حول ابن خلدون.

 

أخبار سوريا الوطن١-سانا

 

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فرقة آشتي للتراث تنسج لوحاتٍ فنية من الفلكلور الكردي في معرض “ناس تكس” الدولي

    أحيت فرقة آشتي للتراث الكردي مساء اليوم الثلاثاء، ضمن فعاليات معرض “ناس تكس” الدولي للنسيج حفلاً فنياً جمع بين الموسيقا والغناء والرقصات الفلكلورية ...