يُقال إنّ مشوار الألف ميل يبدأ بخطوةٍ واحدةٍ، لذا فإنّه في خطوةٍ تعتبر تاريخيّةً وتُشكّل تطورًا استراتيجيًا مرعبًا لمنظومة الاحتلال، تلقت الدوائر السياسيّة اليمينيّة في تل أبيب وواشنطن صفعةً مدويةً هزّت أركان النفوذ الصهيونيّ التقليديّ في الولايات المتحدة.
وجاءت هذه الصدمة الكبرى إثر الفوز الساحق الذي حققه السياسيّ التقدميّ البارز كريس راب في الانتخابات التمهيديّة الديمقراطية بولايّة بنسلفانيا. هذا الفوز لا يمثل مجرد مقعدٍ نيابيٍّ جديدٍ بل هو إعلانٌ رسميٌّ عن تحولٍ عميقٍ وربما غير قابل للعكس في الوعي السياسيّ الأمريكيّ تجاه القضية الفلسطينيّة، وبداية النهاية للغطاء المطلق الذي حظيت به دولة الاحتلال لعقودٍ داخل أروقة صناعة القرار الأمريكيّ.
صعود كريس راب رعب حقيقي يجتاح أروقة تل أبيب
وقال تقريرٌ نشرته (الوثائقيّة HD) إنّ حالة من الذعر والترقب تسيطر الآن على وسائل الإعلام العبريّة واللوبيات الصهيونيّة وعلى رأسها منظمة أيباك. فقد وصفت صحيفة (جيروزاليم بوست) الإسرائيليّة ما حدث بأنّه اختبار ناجح وخطير لاستراتيجيّةٍ انتخابيّةٍ جديدةٍ تقوم بالأساس على تعرية النفوذ الصهيونيّ ومهاجمة الدعم العسكريّ الأعمى لدولة الاحتلال الإسرائيليّ.
علاوة على ذلك، فإنّ فوز كريس راب في الدائرة الثالثة بولاية بنسلفانيا، وهي واحدة من أكثر الدوائر الديمقراطّية أمانًا وقوّةً، يضمن له بشكلٍ شبه مؤكدٍ الدخول إلى الكونغرس الأمريكيّ، حاملاً معه صوتًا هادرًا لا يتردد في تسمية الأشياء بمسمياتها، ومسلحًا بجرأةٍ سياسيّةٍ أسقطت حسابات مراكز القوى التقليديّة التي حاولت بكلّ قوتها وبأموالها إيقاف صعوده.
برنامج ثوري يفكك رواية الاحتلال ويهدد صفقات السلاح
ومن الجدير ذكره في هذا السياق، أنّ الخطاب السياسيّ الذي خاض به كريس راب معركته الانتخابية كان بمثابة الكابوس لليمين الصهيونيّ. لم يلجأ راب للمواربة أو الدبلوماسية الرمادية، بل تبنى مواقف واضحة وشجاعة اعتُبرت في تل أبيب متطرفة وخطيرة على أمن إسرائيل الاستراتيجيّ. حيث دعا راب بشكلٍ صريحٍ ومباشرٍ إلى الوقف الفوري والدائم لجميع المساعدات العسكرية الأمريكية الموجهة لدولة الاحتلال. كما طالب بالاعتراف الرسمي بالنكبة الفلسطينية داخل الكونغرس، ووصف الحرب الوحشية المستمرة على قطاع غزة بأنها جريمة إبادة جماعية، واصفا النظام الإسرائيلي بأنه نظام فصل عنصري “أبارتهايد”.
وهذا الخطاب حظي بدعمٍ كاسحٍ من القواعد الشعبية ومن رموز الجناح التقدمي مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وإلهان عمر، بالإضافة إلى منظمات يسارية وحقوقية قوية مؤيدة للحق الفلسطيني مثل بال باك وجاستس ديموكراتس.
معادلة انتخابية جديدة تسقط سطوة المال السياسي واللوبيات
ومن نوافل القول إنّ الأهمية القصوى لهذا الانتصار تكمن في أنّه يقدم وصفة انتخابية ناجحة وملهمة لجيل جديد من السياسيين الأمريكيين، مكملا النموذج الذي بدأه من قبل زهران ممداني في نيويورك. فقد أثبت كريس راب أنّ تبني الرواية الفلسطينيّة ومناهضة الجرائم الإسرائيليّة لم يعد انتحارًا سياسيًا في أمريكا، بل أصبح تذكرة عبور سريعة للفوز وثقة الجماهير. لقد تمكن راب من سحق خصومه المدعومين من مؤسسات الحزب التقليدية واللوبيات الموالية للاحتلال، مؤكّدًا في خطاب النصر أنّ حملته التي اتُهمت بالجرأة ستمضي أبعد من ذلك بكثير داخل قبة الكونغرس، وهو ما يعني نقل المعركة ضدّ الصهيونية إلى قلب المؤسسة التشريعيّة الأولى في العالم.
راب.. أوّل الغيث
وفي الختام يمكن القول بتحفظٍ شديدٍ إنّ انتخاب أوْ صعود سياسيين أمريكيين ينتقدون سياسات إسرائيل لا يُمكن اعتباره وحده دليلًا حاسمًا على تراجع اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، لكنه يُشير إلى تحوّلاتٍ ملموسةٍ داخل بعض الأوساط السياسية، خصوصًا في الجناح التقدميّ داخل الحزب الديمقراطيّ.
بالإضافة إلى ذلك، يُلاحَظ في السنوات الأخيرة ظهور مؤشراتٍ عدّةٍ، منها: ازدياد الأصوات الديمقراطية المنتقدة للحكومة الإسرائيليّة وسياسات الاحتلال، وتغييرٌ نسبيٌّ في مواقف بعض الشباب الأمريكيين والجامعات، والمؤشّر الثالث يكمن في بروز شخصياتٍ تقدّميّةٍ تربط بين حقوق الفلسطينيين وحقوق الإنسان عمومًا.
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إنّ انتخاب شخصياتٍ مثل كريس راب يعكس تنوّعًا أكبر في الخطاب السياسيّ الأمريكيّ، وربما تراجعًا نسبيًا لهيمنة الرواية التقليديّة داخل بعض الدوائر، لكنّه لا يعني تغيّرًا جذريًا أوْ انهيارًا لنفوذ التيار المؤيد لإسرائيل، لأنّ السياسة الأمريكيّة تجاه إسرائيل تُحدَّد عبر شبكة مصالحٍ إستراتيجيّةٍ وأمنيّةٍ.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
