رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
في كل مرحلة عصيبة تمر بها الأوطان، يخرج من يحاول احتكار الدين وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، فيصنّف الناس بين مؤمن وكافر، وصديقٍ وعدو، ثم يمنح نفسه حق إقصائهم أو تجريمهم أو حتى استباحة دمائهم. وما نشهده اليوم في سوريا من خطابات طائفية وتحريضية(يجب أن يُجرّم أصحابها)ليس إلا امتداداً لهذا الفكر الذي مزّق المجتمعات عبر التاريخ وأشعل الحروب بين أبناء الوطن الواحد.
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الإيمان علاقة بين الإنسان وربه، وليس بين الإنسان وجماعة تدّعي تمثيل الله على الأرض. فالقرآن الكريم يقرر بوضوح مبدأ حرية الاعتقاد حين يقول: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”(البقرة: 256)، ويقول أيضاً:”فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ”(الكهف: 29). وقال تعالى: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ”(الحج: 17)ولو كان الله قد فوّض جماعة من البشر لإجبار الناس على الإيمان أو معاقبتهم على معتقداتهم، لما وردت هذه النصوص الصريحة.
ويخاطب الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: “أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ”(يونس: 99)، وقوله: “لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ”(الغاشية: 22). فإذا كان النبي نفسه لم يُعطَ سلطة السيطرة على عقائد الناس، فمن أين تستمد أي جماعة أو طائفة حقها في تنصيب نفسها قاضياً على إيمان الآخرين؟
لقد نهى القرآن عن التسرّع في إصدار الأحكام على الناس، فقال: “وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا”(النساء: 94). وهذه الآية تمثل قاعدة أخلاقية عظيمة تمنع التكفير وتدعو إلى حسن الظن واحترام الإنسان.
كما يؤكد القرآن أن الاختلاف بين البشر سنّة إلهية لا مبرر لتحويلها إلى صراع وكراهية، إذ يقول تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ” (هود: 118). ويقول أيضاً: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا” (الحجرات: 13). فالاختلاف في الأصل دعوة إلى التعارف والتعاون، لا إلى الإلغاء والاستئصال.
أما العدالة، فقد جعلها القرآن قيمة فوق الانتماءات الضيقة، فقال: “وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” (المائدة: 8). فالإنسان لا يُحاكم على طائفته أو مذهبه أو نسبه، بل على أفعاله وسلوكه واحترامه للقانون وحقوق الآخرين.
إن الوطن لا يُبنى بمنطق الغلبة الطائفية، ولا بمنطق الأكثرية والأقلية، بل بمنطق المواطنة المتساوية. فحين يشعر كل فرد أن كرامته وحقوقه مصونة، يصبح شريكاً في بناء الدولة وحمايتها. أما حين يُعامل المواطن باعتباره تابعاً لطائفة أو هدفاً للتمييز، فإن أبواب الفتنة تبقى مفتوحة.
لذلك فإن شعار “الدين لله والوطن للجميع” ليس شعاراً سياسياً عابراً، بل مبدأ أخلاقي وحضاري عميق. فالدين علاقة مقدسة بين العبد وربه، أما الوطن فهو البيت المشترك الذي يتسع لجميع أبنائه على اختلاف معتقداتهم وانتماءاتهم. ولا مستقبل لسوريا، ولا لأي بلد متعدد المكونات، إلا بدولة تحمي الجميع وتساوي بينهم، وتُسقط منطق التكفير والكراهية لصالح منطق المواطنة والعدالة والكرامة الإنسانية
إن الله لم يفوّض أحداً ليفتش في قلوب الناس، ولم يمنح طائفة حق احتكار الحقيقة أو مصادرة حق الآخرين في الحياة والكرامة. والحكم بين البشر في العقائد موكول إلى الله وحده، أما واجبنا نحن فهو أن نتعايش بعدل واحترام، وأن نبني أوطاناً تتسع للجميع
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

