آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » أبحث عن الأسئلة التي تبقى لا عن الأجوبة سريعة الزوال

أبحث عن الأسئلة التي تبقى لا عن الأجوبة سريعة الزوال

نضال برقان

يُعد الفنان والشاعر السوري علي نفنوف واحداً من الأصوات الإبداعية التي جمعت بين التشكيل والتصوير الضوئي والشعر والكتابة الثقافية في مشروع فني متكامل. ينتمي إلى المدرسة التعبيرية، وشارك في عشرات المعارض داخل سوريا وخارجها، كما أصدر عدة أعمال شعرية، من أبرزها: «امرأة من خريفها تزهر»، و»عن ماذا تبحث أسئلتي»، و»قميص على قصب الخليج».

في تجربته، لا تبدو الفنون حقولاً منفصلة، بل مسارات متعددة لرؤية واحدة تنشغل بالإنسان والذاكرة والزمن وأسئلة الوجود. ومن خلال لوحاته وقصائده وصوره الفوتوغرافية، يواصل نفنوف البحث عن المعنى الكامن خلف الأشياء، وعن الجمال بوصفه شكلاً من أشكال المعرفة.

في هذا الحوار مع «الدستور»، يتحدث نفنوف عن علاقته بالفنون المختلفة، وعن رؤيته للمدرسة التعبيرية، وتحولات تجربته الفنية، وهواجسه الشعرية، ومشاريعه الثقافية الراهنة.

تمتد تجربتك بين التشكيل والتصوير الضوئي والشعر والكتابة الصحفية؛ كيف تتعايش هذه الحقول الإبداعية داخل مشروعك الثقافي؟

– أعتقد أن الخطر الحقيقي على المبدع لا يكمن في تعدد اهتماماته، بل في تشتت رؤيته. وحين تتوافر رؤية فكرية وجمالية متماسكة، تصبح الفنون المختلفة لغات متعددة للتعبير عن هواجس وأسئلة متقاربة.

أتعامل مع التشكيل والتصوير والشعر والكتابة بوصفها تجليات متنوعة لوعي واحد يحاول قراءة العالم واختبار أسئلته الوجودية والمعرفية والجمالية. فالمبدع في جوهره لا يختار الوسيط بقدر ما يختار السؤال، ثم يبحث لكل سؤال عن لغته الأكثر قدرة على الكشف.

في الفن التشكيلي أجد لغة تتجاوز المباشرة لتنتج معاني يصعب اختزالها بالكلمات، بينما يمثل التصوير الضوئي تمريناً دائماً على الإصغاء إلى الواقع. أما الشعر فيمنحني مساحة للتوغل في المناطق التي تعجز الصورة عن بلوغها، فيما تتيح لي الكتابة الصحفية مساءلة الواقع وفهم تحولات المجتمع والثقافة والإنسان.

ما يوحد هذه التجارب ليس تنوع الأدوات، بل وحدة الرؤية. فالفن والأدب والصورة ليست غايات مستقلة، وإنما مسارات مختلفة نحو سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يمنح وجوده قيمة إنسانية نبيلة في عالم يزداد تعقيداً وتوجساً يوماً بعد يوم؟

تُصنَّف أعمالك التشكيلية ضمن المدرسة التعبيرية، فما الذي تمنحه لك التعبيرية من قدرة على قول ما قد تعجز عنه المدارس الأخرى؟

– تعلمت من الشعر ألا أتعامل مع التعبيرية بوصفها مدرسة فنية فحسب، بل باعتبارها طريقة في رؤية العالم. فالواقع الذي يهمني ليس ما تراه العين فقط، وإنما ما يتركه في النفس من أثر وما يثيره في الوعي من أسئلة.

التعبيرية تمنحني حرية الانتقال من وصف الأشياء إلى تأويلها، ومن نقل المشهد إلى كشف معناه. فالألوان والأشكال في لوحاتي لا تسعى إلى محاكاة الواقع بقدر ما تسعى إلى مساءلته وإعادة صياغته وفق تجربة إنسانية ووجدانية خاصة.

ما يجذبني إليها قدرتها على الاقتراب من جوهر الإنسان، حيث تتداخل الذاكرة والقلق والحلم والرغبة. فالفن لا يكتمل حين يعكس ما نراه، بل حين يكشف ما لا نراه رغم حضوره العميق في داخلنا.

ما العلاقة بين الصورة الشعرية في قصائدك والصورة البصرية في لوحاتك؟ وهل يبدأ العمل لديك من الكلمة أم من اللون؟

– لا أرى فرقاً جوهرياً بين الصورة الشعرية والصورة البصرية؛ فكلتاهما محاولة لالتقاط ما يتوارى خلف الواقع. القصيدة واللوحة تنبعان من الرغبة ذاتها في تجاوز الظاهر نحو ما هو أبعد منه، غير أن اللغة في الشعر تستعير ما وراء الحرف، فيما يستعير اللون في اللوحة الصمت.

في تجربتي لا تبدأ العملية الإبداعية من الكلمة ولا من اللون، بل من لحظة إدراك غامضة تسبقهما معاً؛ لحظة يشعر فيها الإنسان أن ثمة معنى يطلب منه أن يُقال. أحياناً يجد هذا المعنى طريقه إلى اللغة فيصبح قصيدة، وأحياناً يختار اللون والخط والمساحة فيصبح لوحة.

أنجزت عشرات المعارض الفنية على مدى سنوات طويلة، ما أبرز التحولات التي طرأت على تجربتك؟

– التحول الأهم لم يكن في الأسلوب بقدر ما كان في الرؤية. في البدايات كان هاجسي اكتشاف اللغة التشكيلية وبناء العلاقة مع اللون والشكل والتقنية، أما اليوم فأصبحت أكثر اهتماماً بالسؤال الذي يدفعني إلى الرسم أصلاً.

أدركت مع الزمن أن الفن ليس إنتاج أجوبة بقدر ما هو تعميق للأسئلة. لذلك انتقلت من الانشغال بالمشهد المرئي إلى البحث عن أسراره الخفية، ومن التعبير عن الانفعال المباشر إلى محاولة فهم تعقيداته الإنسانية والوجودية.

أصبحت أقل يقيناً وأكثر تأملاً، وأقل حرصاً على إرضاء العين، وأكثر اهتماماً بإثارة الفكر والوجدان. وأؤمن أن النضج الفني لا يعني الوصول إلى صيغة نهائية، بل القدرة على البقاء في حالة بحث دائم.

شكّلت لوحة «حارسة البحر» محطة لافتة في مسيرتك الفنية، كيف وُلدت فكرتها؟

– جاءت الفكرة من رغبة في إنجاز عمل موسوعي يتناول سؤال الذاكرة: كيف يحتفظ المكان بروحه عبر القرون رغم التحولات؟ كنت أشعر أن الساحل السوري، بوصفه جزءاً من جغرافيا بلاد الشام، ليس مجرد مساحة مطلة على البحر، بل مخزوناً من الحضارات والأساطير والتجارب الإنسانية المتراكمة.

«حارسة البحر» ليست شخصية محددة، بل رمز للذاكرة التي تقاوم النسيان، وللحضارات التي تعبر الزمن وتترك آثارها في الإنسان والمكان معاً. وما أردت توثيقه ليس الأحداث بحد ذاتها، بل العلاقة العميقة بين البحر والإنسان؛ تلك العلاقة التي صنعت التجارة والأسطورة والهجرة والحلم والمعرفة.

بوصفك مصوراً ضوئياً أيضاً، كيف تنظر إلى العلاقة بين عدسة الكاميرا وريشة الفنان؟

– الكاميرا والريشة تنتميان إلى فعل معرفي واحد، لكنهما تسلكان طريقين مختلفين. العدسة تكشف ما يختبئ داخل الواقع، أما الريشة فتكشف ما يختبئ خلفه.

الصورة الضوئية تعلمني كيف أرى، بينما تعلمني اللوحة كيف أفكر فيما أرى. لذلك لا أفضل إحداهما على الأخرى؛ فالكاميرا تلتقط لحظة من الزمن، أما الرسم فيحاول أن يمنح تلك اللحظة حضوراً يتجاوز الزمن.

أصدرت عدة دواوين شعرية، ما القضايا والهواجس التي تشغل قصيدتك اليوم؟

– ما يشغلني ليس الحدث بحد ذاته، وإنما ما يكشفه عن هشاشة الإنسان ومصيره وعلاقته بالزمن. أكتب انطلاقاً من الأسئلة أكثر مما أكتب انطلاقاً من اليقينيات؛ أسئلة الهوية والحرية والذاكرة والفقد، وأسئلة الإنسان وهو يحاول أن يجد موطئ قدم روحي في عالم يتسارع نحو المادة ويزداد اغتراباً عن جوهره.

أصبحت القصيدة بالنسبة لي فضاءً للتأمل والمعرفة بقدر ما هي مساحة للتعبير، ومحاولة لفهم ما نعجز عن فهمه، والاقتراب من ذلك الغموض الذي يجعل الوجود أكثر عمقاً من أي تفسير نهائي.

ما المشاريع التي تعمل عليها حالياً؟

– تنتمي مشاريعي كلها إلى السؤال ذاته: الإنسان في علاقته بالذاكرة والمكان والزمن. أما طموحي فلا يتمثل في إضافة عمل جديد إلى المشهد الثقافي بقدر ما يتمثل في إضافة رؤية. فالإبداع لا يُقاس بما ينتجه من أعمال، بل بما يفتحه من آفاق جديدة للتفكير والتأمل. وما أرجوه هو أن أبقى قادراً على طرح أسئلة تستحق البقاء أكثر من تقديم أجوبة سريعة الزوال.

وماذا تقول عن ديوانك الأخير «قميص على قصب الخليج»؟

– في «قميص على قصب الخليج» حاولت أن أكتب ما يتبقى من الإنسان بعد عبور العواصف. إنه ديوان ينشغل بالذاكرة أكثر من الحدث، وبأثر الأشياء أكثر من الأشياء نفسها.

أؤمن أن الشعر الحقيقي لا يروي ما حدث، بل يكشف ما تركه حدوثه في الروح. لذلك جاءت قصائد الديوان بحثاً في أسئلة الغياب والانتماء والزمن، ومحاولة نجاة من الخراب الداخلي عبر أسئلة وجودية أكثر رحابة من أجوبة قد تكون أشد قسوة من الصوان.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الدستور

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيروز… ساكنة القلوب

  نايا شهوان   صدق الشّاعر نزار قبّاني حين قال: “بعد ثلاث سنوات من العطش جاءت السّيّدة ذات الصّوت المائيّ… جاءت فيروز”. لبنان… أرض تميّزت ...