آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » صناعة الأوطان بأيدي أبنائها، لا في المختبرات الدولية

صناعة الأوطان بأيدي أبنائها، لا في المختبرات الدولية

 

بقلم: م. مكرم عبيد

إنه لأمرٌ يدعو إلى التأمل والحسرة معاً؛ أن تنجح الحواسيب والدوائر الإلكترونية الصمّاء في محاكاة الألم الإنساني، وفهم أبعاد المعاناة وتشريحها بإنصاف وصراحة عندما نستعين بالذكاء الاصطناعي لشرح رؤيةٍ معينة، بينما تفشل القلوب البشرية لدى من يملكون القرار في عواصم القوى الكبرى في إبداء ذرةٍ من التعاطف الحقيقي مع شعوبٍ مقهورة تُسحق يومياً.

هذه الأنظمة الحسابية، رغم خلوّها من الروح والمشاعر، صُمِّمت لتقرأ الواقع والبيانات دون تجميل، والبيانات القادمة من أراضي النزاعات تتحدث بلغة الدم والجوع والظلم الواضح. أما الساسة ومراكز القرار الدولي، فهم بشر يمتلكون المشاعر والوعي، لكنهم يختارون عمداً إماتة ضمائرهم وتغليب الحسابات الباردة: كم برميلاً من النفط؟ وكم تبلغ كلفة السيطرة على الحدود؟ وكم سنربح جيوسياسياً من إطالة أمد النزاع؟

فبكل صدق، وبكل أسف، هذا هو زمن المصالح العارية، لا زمن حقوق الإنسان. فالشعارات البراقة عن الديمقراطية وحرية الشعوب وحماية المجتمعات المسحوقة ليست سوى «مكياج سياسي» يُستخدم لتبرير التدخل عندما تقتضي المصلحة، أو حين تُستعمل الأوطان والشعوب كحقول تجارب لإثبات صحة أو خطأ نظريات معينة؛ نظريات تُصاغ لتجنيب مجتمعات القوى الكبرى مآسي وعنفاً استخدمته هي نفسها تاريخياً لتدمير دولٍ وحضاراتٍ وشعوبٍ أخرى.

وفي المقابل، تُلقى في سلة المهملات أيُّ معاناةٍ أو مجازر بمجرد أن تصبح «داخلية ومحتواة»، ولا تهدد مصالح الكبار.

إن منطقتنا اليوم تدفع ثمن هذا الجفاف الأخلاقي العالمي، والشعوب المنكوبة بمختلف مكوناتها تدفع الضريبة الأكبر من لحمها الحي وأعصابها في ظل هذا التواطؤ والخراب المتطاول.

ولكن، رغم سوداوية المشهد، فإن الصراحة والوعي بحقيقة اللعبة الدولية هما أولى خطوات مواجهة هذا الواقع المرير، والضمانة الأساسية لعدم الانجرار وراء خطط وتجارب تفرضها على الشعوب جهاتٌ فاقدة للإنسانية والعدالة. إن المخرج الحقيقي لأوطان الأزمات يجب أن يصنعه أبناؤها المخلصون، بعيداً عن مختبرات المصالح الدولية اللئيمة.

ولكي يطفئوا حريقك، اجعلهم يشعرون بحرارة النيران في بيوتهم؛ فتغيير سلوك القوى الكبرى لا يحدث بتبدل ضمائرها، بل بتبدل حسابات الكلفة والعائد لديها. فعندما يدركون أن إبقاء الشعوب في حالة قلق وفقدانٍ للأمن، واضطهادٍ وقمع، سيعود عليهم بخسائر أمنية واقتصادية لا يمكنهم تحملها، وعندما يتحرك الضغط الإعلامي المنظم من قبل الجاليات في الخارج لإحراج الحكومات الغربية أمام ناخبيها وكشف زيف شعاراتها، تبدأ المعادلات بالتبدل.

ويتكامل ذلك حتماً مع قيام النخب وأصحاب الكفاءات والأكثرية الصامتة في الوطن ببناء جسمٍ سياسي وإداري وطني جامع وموثوق، يلتقي مع مصلحة الاستقرار الدولي. حينها فقط، وبدافع الأنانية والمصلحة البحتة، سيبادر الكبار إلى العمل على فرض حلول سياسية حقيقية تضمن حقوق جميع المكونات وتحمي جغرافيا الوطن، ليعود فاعلاً ومستقراً في منطقته والعالم، بهويته الوطنية الحضارية الجامعة
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مذكرة التفاهم ومعانيها المتعددة

  كلمة موجزة   أ. د. جورج جبور رئيس الرابطة العربية للقانون الدولي، ومؤلف كتاب «الاستعمار الاستيطاني» (1970)     من الواجب الترحيب بمذكرة التفاهم ...