عدنان الشمالي
انطلقنا من مدينة طرطوس شرقاً باتجاه مدينة دريكيش، التي تبعد عنها نحو 35 كيلومتراً. الطريق إليها مريح وسهل، ويتألف من مسربين منفصلين للذهاب والإياب، مما يجعل الرحلة أكثر أماناً وسلاسة.
وعلى امتداد الطريق ترافقك الجبال الخضراء والقرى الصغيرة المتناثرة بين التلال، ويزداد جمال المشهد كلما اقتربت من دريكيش. قطعنا المسافة خلال نحو أربعين دقيقة، لكنها كانت دقائق ممتعة بكل تفاصيلها.
تقع دريكيش على ارتفاع يقارب 450 متراً فوق سطح البحر، ولذلك تتمتع بطقس معتدل ومنعش حتى في ذروة الصيف. فالهواء هنا ألطف، والحرارة أقل، والنسيم القادم من الجبال يمنح المكان شعوراً دائماً بالراحة.
وتُعرف دريكيش باسم “مدينة المياه والحرير”.وهو لقب تستحقه عن جدارة. فقد اشتهرت بينابيعها الغزيرة ومياهها المعدنية النقية، وأنشئ معمل تعبئة مياه دريكيش في سبعينيات القرن الماضي، ليصبح اسمها معروفاً في معظم أنحاء سورية.
أما الحرير، فكان جزءاً مهماً من تاريخ المدينة، إذ انتشرت قديماً زراعة أشجار التوت وتربية دودة القز، وشكلت صناعة الحرير الطبيعي مصدراً للرزق للكثير من العائلات.
وتضم المدينة ثلاثة ينابيع رئيسية معروفة، هي: نبع دريكيش الواقع في وسط المدينة، ونبع الجامع، ونبع عين الفوقا المعروف أيضاً باسم “عين العصب”. وتمتاز هذه الينابيع بمياهها العذبة والباردة حتى في أيام الصيف الحارة، لذلك تبقى مقصداً دائماً للزوار.
وما يلفت النظر في دريكيش هو الطبيعة التي تحيط بها من كل جانب. فالجبال مكسوة بالأشجار، وتنتشر غابات السنديان والبلوط وأشجار الزيتون والدلب، بينما تتناثر البيوت البيضاء فوق السفوح الخضراء في مشهد يمنح الزائر شعوراً بالهدوء والراحة.
والجميل أيضاً أن المدينة ما زالت تحتفظ ببساطتها؛ فلا ازدحام مزعج ولا ضجيج صاخب، بل سكينة تجعل الزائر يستمتع بكل لحظة يقضيها هناك.
توقفنا في أحد المقاصف الشعبية الجميلة الواقعة على ضفاف نهر الدلبة، أو كما يعرفه كثيرون باسم “نهر أبو عوض”.كانت جلسة رائعة بكل معنى الكلمة؛ جلسنا بين أحضان الجبال وإلى جانب المياه المتدفقة، نستمع إلى خرير النهر ونراقب الأشجار التي تحيط بالمكان من كل الجهات. وكان الهواء منعشاً إلى درجة تدفعك للبقاء ساعات طويلة دون أن تشعر بمرور الوقت.
وأثناء التجول في المدينة، تشعر وكأن الطبيعة هي صاحبة المكان الحقيقية. فأينما التفتّ ترى اللون الأخضر، وتسمع صوت المياه الجارية، وتشعر بذلك الهدوء الذي يميز المدن الجبلية الجميلة.
أكثر ما أعجبني في دريكيش أنها لا تتكلف في إظهار جمالها، بل تمنح زائرها شعوراً بالراحة منذ اللحظة الأولى. فكل شيء فيها بسيط وجميل؛ من الينابيع إلى الأشجار، ومن الجبال إلى الجلسات الشعبية المنتشرة في أرجائها.
ومع اقتراب موعد العودة إلى طرطوس، كنا نحمل معنا أكثر من مجرد صور جميلة. حملنا شيئاً من برودة الينابيع، وشيئاً من هواء الجبال النقي، والكثير من الهدوء الذي تركته هذه الرحلة في نفوسنا.
كانت رحلة قصيرة في المسافة، لكنها كبيرة في أثرها وجمالها. غادرنا دريكيش ونحن نفكر بزيارة جديدة، لأن بعض الأماكن لا تزورها مرة واحدة فقط، بل تدفعك للعودة إليها كلما اشتقت إلى الطبيعة والراحة والطمأنينة.
وأعتقد أن أجمل ما في دريكيش أنها لا تحاول أن تبهر زائرها، بل تكتفي بأن تكون على طبيعتها. وهذا وحده يكفي ليجعلك ترغب في العودة إليها من جديد

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

