كتب محمد خير الوادي:
هدأ في منطقة الخليج مؤقتًا هدير الطائرات الحربية، وسكتت المدافع، وتلاشى دوي الصواريخ. ولكن، في الوقت نفسه، علا صخب إعلامي غير مسبوق سدَّ الأفق وحجب الرؤية. فالإعلام الموالي لإيران يعلن أن طهران انتزعت “نصرًا إلهيًا”، وإعلام الحزب الديمقراطي الأمريكي، مسنودًا بإعلام اليسار، جنَّد نفسه – لأسباب مختلفة – للحديث عن الخسائر الهائلة التي تكبدتها أمريكا جراء “مغامرة” الجمهوريين الإيرانية. ومما يزيد المشهد تعقيدًا تمسك الرئيس ترامب بمقولة يكررها دائمًا، هي أن الحرب قد أسفرت عن “استسلام كامل” لإيران.
وسأحاول، في هذا الجو الإعلامي الهائج والمغطى بالضباب وعدم اليقين السياسي، تقصي حقيقة ما حدث.
بدايةً، دعوني أستذكر الحقيقة الأزلية القائلة إن حربًا طاحنة كالحرب الإيرانية لن تبقى دون تبعات، وإن واقعًا جديدًا في طريقه ليفرض نفسه في المنطقة. وسأعرض قراءتي الخاصة لما جرى.
هناك اختلاف واضح بين الأهداف الإسرائيلية والأمريكية من الحرب على إيران. فإسرائيل سعت إلى سحق قدرات النظام الإيراني وتغييره عبر قطع رأسه، وهذا لم يتم. بينما أرادت واشنطن تحجيمه والضغط عليه لتغيير سلوكه والتخلي عن نهج إيران السابق كله. وهذا الأمر يجري ببطء، ولكنه بدأ.
وهناك مؤشرات على ذلك، في طليعتها أن نظام الملالي، الذي عادى أمريكا خلال العقود الأربعة ونيف الماضية وصنفها على أنها الشيطان الأكبر، وجد نفسه مضطرًا للجلوس معها ومصافحة ممثليها وإجراء مفاوضات معهم استمرت أكثر من تسع ساعات. وقد تمخضت تلك المفاوضات عن تفاهمات تخلت بموجبها طهران عن ورقتين ابتزت بهما المنطقة والعالم، هما إغلاق مضيق هرمز والبرنامج النووي لأغراض عسكرية.
وليس صحيحًا ما يدعيه النظام الإيراني من أنه لم يكن أصلًا بصدد السعي لامتلاك أسلحة نووية. ولو كان الأمر كذلك، فلماذا أصر هذا النظام على سرية برنامجه النووي، وإخفاء عدد من المفاعلات عن أعين مفتشي الأمم المتحدة، وتكديس كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب تكفي لإنتاج رؤوس نووية كثيرة؟
ويروج موالو النظام الإيراني لمقولة أخرى مفادها أن المسائل المتعلقة بالصواريخ والميليشيات الإيرانية في المنطقة لن تُمس، وأنها خارج التفاهمات التي تم التوصل إليها. والواقع يقول إن المفاوضات التي ستبدأ في 29 من الشهر الحالي ستتناول الصواريخ والميليشيات ودور إيران في المنطقة.
وفيما يتعلق بالأذرع المسلحة التي استخدمتها طهران لإرهاب المنطقة، فقد مُنيت هذه التوجهات الإيرانية بخسارة استراتيجية تجلت في سقوط النظام الأسدي، الذي كان يحتضن تلك الأذرع في سوريا ويغذيها. والمراقب للأحداث يخلص كذلك إلى نتيجة مفادها أنه بغض النظر عن مواقف طهران وأقوالها، فإن واشنطن تضغط بكل قوة من أجل إنهاء وجود الميليشيات الإيرانية في كل من لبنان والعراق.
وفي كلتا الدولتين، يتم الأمر عبر تمكين حكومتي البلدين من السيطرة على السلاح غير الشرعي وفرض القانون على الجميع دون استثناء لأحد. ومن المفيد التذكير، في هذا الخصوص، بأن أمريكا قد وقعت سابقًا اتفاقًا مع الحوثيين لإنهاء الأعمال العسكرية في اليمن. وبكلمات أخرى، فإن مسألة أذرع إيران في طريقها إلى الانتهاء بصيغها القديمة، ولم يعد الأمر متوقفًا على رغبة نظام الملالي من عدمها.
والآن إلى النتيجة الأهم التي أتوقعها بعد اتفاقية وقف إطلاق النار. أعتقد أن أمريكا منخرطة الآن بكل قوة في جهد يهدف إلى خلق تموضع جديد لإيران في المنطقة، بعيدًا عن الصين. وفي هذا المجال بدأت واشنطن خطوات عدة:
الأولى تجلت في رفع الحصار البحري عن مضيق هرمز، والسماح للنفط الإيراني بالتدفق إلى الأسواق العالمية بالأسعار الدولية. وهذا سيحرر طهران من ضرورة بيع نفطها بأسعار مخفضة لبكين بسبب العقوبات.
والخطوة الثانية الإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المحتجزة، شريطة أن تشتري إيران بتلك الأرصدة سلعًا أمريكية.
أما الخطوة الثالثة فهي تأسيس صندوق استثماري لإعادة الإعمار في إيران برأسمال قدره 300 مليار دولار، والشرط الأساسي لذلك الصندوق أن تتم أعمال البناء والإعمار بواسطة شركات أمريكية أو غربية. وقد صرحت طهران أنها لا تمانع في ذلك.
مختصر القول، إن واشنطن تسعى إلى إعادة تأهيل إيران لتمارس دورًا في المنطقة بعيدًا عن الصين، وبما يخدم المصالح الأمريكية. وبالمناسبة، فهذه ليست أول مرة تقدم فيها أمريكا على خطوات مشابهة. فقد حدث ذلك في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك في أوروبا من خلال مشروع مارشال الأمريكي. وكان الشرط الأساسي للمساعدات الأمريكية آنذاك أن يتم ذلك كله بعيدًا عن الاتحاد السوفيتي.
قد لا تتم الأمور اليوم بصورة مطابقة لما حدث في تلك المناطق، ولكن الجوهر هو السعي لجذب إيران نحو الغرب عبر سياسة العصا والجزرة التي تمارسها واشنطن إزاء النظام الإيراني.
بقي أن أتوقف باختصار عند الدور الإسرائيلي في ذلك كله، والذي يضفي مزيدًا من الخطورة على الوضع في الشرق الأوسط. نعرف أن هناك عداوة بين إيران الحالية وإسرائيل، ولكن عندما تغير طهران مواقفها فإن آفاقًا جديدة ستظهر لبناء علاقات تعاون شامل بين الكيان الصهيوني وطهران.
فالحركة الصهيونية تذكِّر دائمًا بـ”التعاون” التاريخي بين اليهود والفرس، وقد فبركت حادثة إنقاذ كورش، إمبراطور الفرس، لليهود من السبي البابلي عام 539 قبل الميلاد.
وبالمناسبة، فإن هذا الادعاء استُخدم سابقًا ذريعة لبناء تحالف صهيوني مع إيران الشاه. ثم إن هذا التحالف المفترض يجد أرضية مشتركة في عامل آخر هو العداء التاريخي الذي يجمع الصهاينة وغلاة الفرس. وهذا الآن مجرد افتراض فقط، ولكن التاريخ يمكن أن يعيد نفسه.
وأختم مقالتي بالقول: لقد عانى العرب كثيرًا من إيران الحالية، ويمكن أن تزداد معاناتهم مع إيران الأمريكية – الإسرائيلية. وأرى أن السبيل الأجدى للتصدي لأي دور عدائي من جانب إيران يكمن في الانفتاح على إيران الجديدة، إن تمت، وتعزيز التقارب العربي، وإنجاز التكامل الاقتصادي العربي، وبناء قوة عربية يهابها الجميع. وإذا لم نبدأ بذلك، فإن مستقبلًا أسود ينتظرنا جميعاً
*الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الموقع
(أخبار سوريا الوطن – الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

