بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
إن فشل الدولة في تطبيق العدالة الانتقالية لا يقتصر أثره على تعثر مسار قانوني أو سياسي فحسب، بل يمتد ليُبقي جراح الماضي مفتوحة لعقود طويلة. فالجريمة التي تبقى بلا محاسبة، والحقوق التي لا تُرد إلى أصحابها، والحقيقة التي تُطمس أو تُشوَّه، تتحول جميعها إلى عوامل كامنة تقوّض شرعية الدولة، وتُضعف ثقة المواطنين بمؤسساتها، وتهدد الاستقرار والسلم الأهلي إلى أجل غير معلوم.
وقد أثبتت تجارب الدول التي تجاهلت العدالة الانتقالية أو اكتفت بتطبيقها شكلياً أنها أعادت إنتاج الأزمة بصور وأشكال جديدة.
ومن أبرز التجارب التي واجهت تعثراً أو إخفاقاً بدرجات متفاوتة في هذا المجال: العراق، وليبيا، واليمن، ولبنان، والسودان، والبوسنة والهرسك، وأفغانستان.
ويمكن إجمال أبرز أسباب الإخفاق في تطبيق العدالة الانتقالية بما يلي:
1- غياب الإرادة السياسية الجادة لاستكمال مسار العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
2- ضعف السلطة القضائية أو افتقارها إلى الاستقلالية والكفاءة اللازمة للقيام بدورها.
3- التوسع في منح العفو أو التساهل في المساءلة، بما يؤدي إلى إفلات الجناة من العقاب.
4- التدخلات الخارجية والانقسامات الطائفية أو العرقية التي تعيق بناء توافق وطني جامع.
5- تهميش الضحايا وإقصاؤهم عن المشاركة الفعلية في مسار العدالة الانتقالية.
6- الفشل في إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية والرقابية والإعلامية التي ارتبطت بالانتهاكات السابقة.
وهناك سبب آخر لا يقل أهمية في إفضاء مسارات العدالة الانتقالية إلى الفشل، يتمثل في سوء فهم طبيعتها وجوهرها. فعندما يُنظر إلى العدالة الانتقالية على أنها مجرد هيئة تُنشأ، أو مكتب يُستحدث، أو قانون يُسن، أو مجموعة من التفاهمات والتوافقات بين أشخاص ومؤسسات، فإننا نكون قد ابتعدنا كثيراً عن مفهومها الحقيقي.
فالعدالة الانتقالية، في جوهرها، منهج عمل، ومشروع وطني شامل، ومسار طويل الأمد، تتكامل فيه جهود مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والقوى السياسية وممثلي الضحايا، بهدف معالجة إرث الانتهاكات والصراعات التي خلفها الماضي، وكشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة وسيادة القانون.
ولهذا المسار مجموعة من الركائز الأساسية تُبنى عليها بما يتلاءم مع مبرراتها، وإلا فإننا نكون أمام لا عمل، أو عملاً مشوهاً في نتائجه، مهما حسنت النوايا.
من هنا، فإن العدالة الانتقالية، في جذرها المؤسساتي، عبارة عن مسارين متوازيين ومتكاملين:
• الأول: قضائي.
• الثاني: إداري.
أولاً: في المسار القضائي
القضاء الوطني هو حجر الأساس لأي عملية عدالة انتقالية ناجحة، فهو الجهة الوحيدة المختصة بفرض العقاب على المجرمين وفض النزاعات، إذ لا يمكن تحقيق المساءلة، أو حماية الحقوق والحريات، أو استعادة ثقة المواطنين بالدولة في ظل قضاء خاضع للتأثيرات السياسية أو الأمنية.
لذلك ينبغي البدء بـ:
1- رفع هيمنة وزارة العدل عن السلطة القضائية، وتوفير الضمانات القانونية التي تكفل للقضاة ممارسة مهامهم باستقلال وحياد كاملين.
2- إعادة تشكيل مجلس القضاء الأعلى، وإعادة هيكلة المحاكم والنيابات، وفق أحكام قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /98/ لعام 1961.
ثانياً: في المسار الإداري
تباشره لجان وطنية متخصصة تُشكَّل وفق معايير موضوعية تتناسب مع طبيعة اختصاص كل لجنة ومتطلبات عملها، وتتمتع بالاستقلالية والحياد اللازمين لأداء مهامها، وتعمل ضمن إطار قانوني وإجرائي واضح يضمن حسن سير أعمالها وتحقيق النتائج المترتبة على اختصاصاتها.
ومن أبرز هذه اللجان ما يلي:
1- لجنة كشف الحقيقة
تتألف من شخصيات إعلامية وحقوقية وإنسانية مشهود لها بالكفاءة والنزاهة، ولها خبرة عملية في توثيق الانتهاكات ورصدها والعمل في الشأن العام.
وتتولى اللجنة، بصورة خاصة، المهام الآتية:
• جمع الأدلة والوثائق المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال فترات النزاع والاستبداد، وتوثيقها وحفظها، وإحالتها إلى الجهات القضائية المختصة.
• إعداد سجل وطني شامل للضحايا والمفقودين والمعتقلين والمختفين قسراً.
• إعداد وإصدار تقارير دورية وختامية تتضمن الوقائع المثبتة والاستنتاجات والتوصيات اللازمة لتعزيز المصالحة الوطنية وضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلاً.
2- لجنة المصالحة الوطنية
تتألف من شخصيات وطنية واجتماعية تحظى بالثقة والاحترام العام، مع مراعاة التمثيل الجغرافي والتنوع المجتمعي، وضمان مشاركة المرأة والشباب.
وتتولى اللجنة المهام الآتية:
• اقتراح الإجراءات الكفيلة بتهيئة البيئة الاجتماعية والخدمية الداعمة للمصالحة الوطنية.
• وضع جدول أولويات إعادة الإعمار للمناطق الأكثر تضرراً وفق معايير موضوعية واحتياجات فعلية.
• إعداد أسس ومعايير شفافة وعادلة لتعويض المتضررين وجبر الأضرار التي لحقت بهم.
• تعزيز الحوار المجتمعي والتقارب بين مختلف المكونات الاجتماعية بما يسهم في ترسيخ السلم الأهلي.
3- لجنة إصلاح المؤسسات
تتألف من أصحاب الكفاءة العلمية والخبرة العملية في مجالات الإدارة العامة وبناء المؤسسات وتطويرها.
ومن أبرز مهامها:
• تقييم أداء المؤسسات التي ارتبطت بالفساد أو إساءة استعمال السلطة أو انتهاكات حقوق الإنسان، واقتراح إعادة هيكلتها أو إلغائها عند الضرورة.
• تقديم مقترحات تهدف إلى بناء مؤسسات وطنية وتعزيز الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد.
• رفع تقارير دورية إلى الجهات المختصة تتضمن خطط الإصلاح المؤسسي ومراحل تنفيذها ونتائجها.
4- لجنة تطوير المنظومة الدستورية والقانونية
تتألف من خبراء دستوريين وقانونيين من ذوي الكفاءة العالية والخبرة الواسعة في إعداد التشريعات وصياغتها.
وتتولى اللجنة المهام الآتية:
• وضع مبادئ عامة لقواعد دستورية تقوم على وحدة البلاد، واستقلال القرار الوطني، والفصل بين السلطات، والتبادل السلمي للسلطة.
• مراجعة التشريعات النافذة، واقتراح معالجة القوانين والنصوص التي تتعارض مع أهداف الثورة ومبادئ حقوق الإنسان وقيم الدولة الديمقراطية الحديثة.
• إعداد مشروعات القوانين والتوصيات التشريعية اللازمة لمعالجة أوجه القصور والفراغ التشريعي، ورفعها إلى الجهات المختصة.
• مواءمة التشريعات الوطنية مع الاتفاقيات والمعايير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان.
• تقديم قراءات وتوصيات إلى الجهات المعنية بشأن المعاهدات والاتفاقيات.
5- لجنة التحكيم وتسوية المنازعات المادية
تتألف من شخصيات قانونية وإدارية واقتصادية واجتماعية مشهود لها بالكفاءة والخبرة والاستقلالية، تساهم في تخفيف العبء عن المحاكم وتسريع البت في القضايا التي تُحال إليها بالتوافق بين الجهة الإدارية وبين الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين.
ومن أبرز مهامها:
• النظر في النزاعات المالية والمدنية الناشئة عن النزاع المسلح والتهجير وفقدان الوثائق والمستندات.
• تسوية النزاعات المتعلقة بالممتلكات والعقارات والحقوق المالية وفق إجراءات مبسطة وسريعة.
• تشجيع الحلول الرضائية في النزاعات المالية بما يحفظ الحقوق ويعزز السلم الأهلي.
• إحالة القضايا التي تنطوي على جرائم إلى القضاء المختص.
الختام
ينبغي أن تعمل هذه اللجان بإشراف قضائي، وبصورة متكاملة ومتناسقة فيما بينها، ضمن رؤية وطنية موحدة للعدالة الانتقالية، وصولاً إلى بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية، ومحاسبة المجرمين ومساءلتهم، وتعويض المتضررين، وتحقيق مصالحة وطنية تقوم على منع تكرار الانتهاكات في المستقبل

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

