بقلم: جمعان علي العمير
سوريا الجديدة ليست حكاية تُروى، ولا شعارًا يُرفع، ولا لحظة غضبٍ عابرة، بل هي ولادةٌ ثانية لوطنٍ أنهكته السنوات، لكنه لم ينكسر؛ وطنٍ ما زال يبحث عن صورته بين الوعي الذي يحاول أن ينهض، والفوضى التي تحاول أن تبتلعه، والثورة التي أرادت أن تعيد للإنسان قيمته، والدولة التي يجب أن تكون بيتًا للجميع، لا ساحة صراع، وبين حكمةٍ تُطفئ الحرائق، وعاطفةٍ تُشعل الطريق نحو التغيير.
سوريا اليوم تقف عند مفترقٍ لا يشبه أيَّ مفترقٍ مرّت به من قبل؛ مفترقٍ تتقاطع فيه الذاكرة مع الدم، والوجع مع الأمل، والخراب مع إرادة الحياة، مفترقٍ يحتاج إلى عقلٍ يرى أبعد من اللحظة، وقلبٍ يشعر بما لم يعد يُقال، ووعيٍ قادر على أن يميّز بين من يريد للوطن أن ينهض، ومن يريد له أن يبقى معلقًا في الفوضى.
فالوعي هو السلاح الوحيد الذي لا يُسرق ولا يُشترى، وهو البوصلة التي تمنع الثورة من أن تتحول إلى فوضى، وتمنع الفوضى من أن تتنكر بوجه الثورة، وتمنع الدولة من أن تعود إلى ماضيها المظلم.
والفوضى ليست دائمًا صراخًا في الشوارع؛ أحيانًا تكون همسًا، وأحيانًا تكون وجوهًا تعرف كيف تتقن دور الضحية وهي تمارس دور الجلاد، وأحيانًا تكون شعاراتٍ براقة تخفي خلفها رغبةً في اقتسام الوطن، لا في بنائه.
أما الثورة، فهي ليست ثأرًا، ولا انتقامًا، ولا فوضى، بل هي لحظة وعيٍ جمعي؛ لحظة قرر فيها الناس أن الإنسان أغلى من الخوف، وأن الكرامة ليست رفاهية، وأن الوطن لا يُبنى على الصمت.
الثورة هي الشرارة، لكن الدولة هي النار التي يجب أن تبقى مضاءة في الاتجاه الصحيح؛ الثورة تُسقط الظلم، لكن الدولة تُقيم العدل؛ الثورة تُحرّر الصوت، لكن الدولة تُحرّر الحياة من الفوضى.
وحين تتصادم الثورة مع الدولة يخسر الجميع، وحين تتكاملان يولد وطنٌ جديد لا يشبه ما قبله.
أما الحكمة، فهي ليست ضعفًا، والعاطفة ليست جهلًا، بل هما جناحان لا يطير الوطن بدونهما؛ فالعاطفة هي التي دفعت السوريين إلى الشوارع، وهي التي جعلتهم يصمدون رغم الخراب، لكنها وحدها لا تبني دولة، والحكمة هي التي تعيد ترتيب الفوضى، وتجمع الشظايا، وتحوّل الغضب إلى مشروع، والدمعة إلى دستور، والوجع إلى قوة.
وسوريا الجديدة تحتاج إلى هذا الميزان الدقيق بين العقل والقلب، وبين الثورة والدولة، وبين الوعي والغضب، لأن أي اختلال في هذا الميزان يعيد البلاد إلى الدوامة التي دفعت ثمنها المدن والقرى والأطفال والذاكرة السورية كلها.
سوريا الجديدة ليست حلمًا بعيدًا، بل هي قرار؛ قرار بأن يكون القانون أقوى من السلاح، والحق أعلى من الصوت، والإنسان أغلى من كل شيء، قرار بأن يجلس أبناء الوطن على طاولة واحدة، لا ليحاسبوا بعضهم، بل ليحاسبوا الماضي، ويقرروا كيف يصنعون مستقبلًا لا يشبه إلا أحلامهم.
وفي النهاية، بين الوعي والفوضى نختار الوعي، وبين الثورة والدولة نختار الدولة التي تولد من رحم الثورة، وبين الحكمة والعاطفة نختار قلبًا يشعر، وعقلًا يقرر؛ لأن سوريا تستحق أن تُبنى بالعقل، وتُحمى بالحكمة، وتُعاش بالعاطفة الصادقة
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

