حسن حردان
تشهد منطقة الشرق الأوسط نقطة تحوّل استراتيجية تجاوزت منطق الإملاءات الأحادية إلى منطق “توازنات الردع المتبادل”وجاء إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن صياغة التفاهمات الأخيرة مع طهران، والممهدة لمفاوضات جنيف خلال الستين يوماً المقبلة، ليكشف عن واقع جديد: لم يعد خيار الحصار الشامل والاستنزاف المفتوح مجدياً في بيئة دولية محكومة بحسابات اقتصادية معقدة، وباتت طاولة المفاوضات البديل الوحيد لسيناريوهات الركود العالمي.
أولاً: معادلة “النفط مقابل الأمن”
فرض توازنات الردع الجغرافي
لقد أثبتت أزمة الملاحة البحرية الأخيرة أن ورقة مضيق هرمز وممرات الطاقة الحيوية تحولت من تهديد نظري إلى أداة ضغط جيو-اقتصادية بالغة التأثير على حسابات إدارة ترامب الثانية، التي تضع الاستقرار المالي ومكافحة التضخم في صدارة أجندتها المحلية.
إن إقرار التهدئة ورفع الحصار والعقوبات عن حركة الصادرات النفطية الإيرانية، كإجراءات مرافقة لفترة التفاوض، يمثل اعترافاً ضمنياً بالحاجة إلى صياغة معادلة واقعية تقوم على “تنظيم المصالح”بدلاً من شعارات “تصفير الصادرات” فعقلية “الرئيس التاجر” في واشنطن خلصت إلى أن كلفة استمرار المواجهة البحرية، وتأثر سلاسل التوريد، وما قد يتبع ذلك من قفزات غير منضبطة في أسعار الطاقة، هي كلفة سياسية واقتصادية لا يمكن للداخل الأميركي تحملها.
ثانياً: التباين التكتيكي
مصلحة واشنطن ومأزق نتنياهو
على ضفة التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب، يبدو التباين في الأولويات بين ترامب ونتنياهو سيد الموقف.
براغماتية ترامب: تسعى الإدارة الأميركية بوضوح إلى “تجميد الصراع المنضبط”وضمان استقرار الأسواق، معتبرةً التوصل إلى تفاهمات إنجازاً سياسياً يحمي الاقتصاد الدولي من الركود القاتل.
مأزق نتنياهو: في المقابل، يتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحت وطأة حسابات بقائه السياسي، وتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. وبالنسبة لليمين الإسرائيلي، فإن الهدوء المطلق والقبول بالتفاهمات دون انتزاع “صورة نصر” ملموسة يعوق طموحاته الإقليمية، ويهدد تماسك ائتلافه الحاكم.
هذا التناقض الجوهري يفسر الصراع المكتوم حول جبهة جنوب لبنان و”خلية فض الاشتباك العسكري”التي أُعلن عنها؛ حيث يدرك نتنياهو أن الصدام المباشر مع ترامب، والرفض الفج للإرادة الأميركية، يُعد مخاطرة غير مأمونة العواقب. لذا قد يتجه إلى المناورة في “المنطقة الرمادية”عبر الاغتيالات النوعية والعمليات الأمنية المركزة، التي تحافظ على زخم التوتر دون الوصول إلى مستوى الاستفزاز الاستراتيجي الذي يستدعي “البطاقة الحمراء” من واشنطن.
ثالثاً: الستون يوماً
تفاوض تحت النار والتحقق الفعلي
إن التشدد الدبلوماسي الذي يبديه الموقف الإيراني، ورفضه تقديم تنازلات تقنية مسبقة بخصوص نسب تخصيب اليورانيوم، يعكس تجربة طهران السابقة مع تقلبات المزاج السياسي في واشنطن، وعدم الثقة بإدارة أميركية امتهنت الغدر. والقاعدة الإيرانية الراهنة واضحة: “جني الأرباح الاقتصادية الملموسة، والتحقق من رفع القيود أولاً، مقابل الخطوات التقنية ثانياً”.
هذا التموضع يحول فترة الشهرين المقبلين إلى معركة عضّ أصابع دبلوماسية، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت مكاسبه على الأرض قبل التوقيع على الصيغ النهائية.
رابعاً: إسقاطات جنيف
على أمن مضيق هرمز
إن الرابط الوثيق الذي تفرضه جغرافيا المنطقة يجعل من أمن مضيق هرمز في قلب ترتيبات جنيف، فالاستقرار في المضيق وسلاسة عبور ناقلات النفط لم يعودا معزولين عن مستويات التهدئة في الساحات الإقليمية الأخرى، وتحديداً جبهة جنوب لبنان.
وبالنسبة لدول الخليج العربية، التي تؤكد دائماً أولويات التنمية المستدامة واستقرار خطوط الملاحة وتصفير الأزمات عبر الحلول الدبلوماسية، فإن مخرجات جنيف تمثل الفرصة الأكثر واقعية لإبعاد شبح الحرب الإقليمية الواسعة. غير أن استدامة هذا المسار تظل مرتهنة بقدرة الإدارة الأميركية على تفعيل أدوات الضغط وضبط التفلت الإسرائيلي، فصيانة شريان الطاقة العالمي باتت تتطلب حزماً دبلوماسياً يمنع أي تحرك أحادي من قبل نتنياهو من شأنه تفجير الاتفاق، والتسبب في ارتدادات اقتصادية لايرغب بها احد
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

