بقلم المهندس باسل قس نصر الله
عندما أصل إلى اليونان، أشعر أنني لا أنتقل فقط من بلد إلى آخر، بل أنتقل بين صفحتين من كتاب واحد اسمه حضارة الإنسان.
بين حلب وكل اليونان علاقة أعمق من الجغرافيا؛ علاقة صنعتها القرون، ونسجتها التجارة والفكر والثقافة والروح.
حلب، التي يعود تاريخها إلى أكثر من أربعة آلاف عام، كانت دائماً مدينة مفتوحة على العالم. فقد كانت محطة رئيسية على طرق التجارة القديمة، وملتقىً للحضارات التي مرّت على بلاد الشام. وفي عام 333 قبل الميلاد، عندما وصل الإسكندر المقدوني إلى المنطقة، أصبحت سورية جزءاً من العالم الهلنستي، الذي حمل هذا الاسم بعد وفاة الإسكندر، وترك أثراً واضحاً في الثقافة والعمارة والفكر.
ثم جاءت العصور اللاحقة، وبقيت الصلات بين بلاد الشام والعالم اليوناني قائمة. ففي العصر البيزنطي، بين القرنين الرابع والسابع الميلاديين، كانت مدن سورية، ومنها حلب، مرتبطة بالفضاء الحضاري الذي كانت القسطنطينية مركزه. ومن هنا نفهم أن البحر المتوسط لم يكن فاصلاً بين الشعوب، بل كان جسراً للحوار والتبادل.
في حلب، لم يكن التنوع مجرد فكرة نكتب عنها، بل كان أسلوب حياة عاشه الناس. ففي أحيائها القديمة، وكنائسها، ومساجدها، وأسواقها، نجد قصة مجتمع أدرك أن الإنسان هو الأساس. وقد كتبتُ سابقاً عن قبور أهلي المسيحيين في حلب، لأنني أؤمن بأن القبر ليس نهاية الحكاية، بل هو ذاكرة إنسان عاش، وأحب، وعمل، وترك أثراً في مدينة أحبها.
فالقبور القديمة، شأنها شأن البيوت والأسواق، ليست حجارة صامتة، بل صفحات من كتاب الوطن. فيها أسماء أناس صنعوا تاريخ حلب، وكانوا جزءاً أصيلاً من نسيجها الاجتماعي والروحي. وهذا ما يجعل الدفاع عن الذاكرة دفاعاً عن الإنسان نفسه.
كما أن تجربتي مع مدرسة الإخوة المريميين في حلب، التي تأسست في القرن التاسع عشر، تذكرنا بأن التعليم كان دائماً جسراً بين الثقافات. فقد تخرج فيها أجيال تعلمت أن المعرفة لا تعرف حدوداً، وأن الحوار بين الشعوب يبدأ من مقاعد الدراسة.
واليوم، وأنا في اليونان، أرى أن هناك الكثير مما يجمع بين كل اليونان وحلب: احترام التاريخ، وتقدير الفكر، والتمسك بقيمة الإنسان. فاليونان قدمت للعالم الفلسفة، وحلب قدمت نموذجاً لمدينة عاشت فيها الحضارات جنباً إلى جنب.
إن المدن العظيمة لا تُقاس فقط بعمرها، بل بما تحمله من رسالة. وحلب ليست مجرد مكان على الخريطة، بل ذاكرة حيّة تقول لنا إن الحضارات لا تُبنى بالجدران، بل بالإنسان.
من حلب إلى اليونان، يبقى البحر المتوسط شاهداً على حقيقة واحدة:
“إن ما يجمع البشر من قيم ومحبة أكبر بكثير مما يفرقهم من حدود.”
أنا حلبي ويوناني، لكنني ـ قبل هذا وذاك ـ إنسان مفعم بالحب والانفتاح على الجميع.
اللهم اشهد أنني قد بلّغت
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

