بقلم: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
بعد توزيع المهام والوظائف، وآخرها تعيين أعضاء مجلس الشعب، يحق للمواطن البسيط أن يتساءل، ببراءة تستحق الاحترام:
•هل انتهت مرحلة التملق للقيادة؟
•وهل سيخرج بعض الصامتين من سباتهم الطويل ليتحدثوا فجأة بلغة جديدة، بعد أن أُغلقت دفاتر التعيينات؟
خلال الأشهر الماضية شهدنا مشاهد تستحق أن تُدرَّس في معاهد الفنون؛ فقد كانت بيانات التأييد تتساقط أسرع من أوراق الخريف، وكانت صور بعض الأشخاص تُنشر بحماس يفوق حماس الأمهات لنشر صور أبنائهن في أول يوم دراسي. أما عبارات المديح، فقد بلغت مستوى يجعل المتنبي يشعر بالخجل من محدودية إنتاجه.
كان بعضهم يستيقظ صباحًا ليسأل نفسه: “هل مدحت اليوم بما يكفي؟” فإذا شعر أن جرعة التملق أقل من المطلوب، سارع إلى كتابة منشور جديد يبدأ بـ”الحكمة التاريخية للقيادة”وينتهي بـ”الرؤية الاستثنائية التي لم يشهد لها العالم مثيلًا”.وبين البداية والنهاية مساحة واسعة من الكلمات التي لا تغيّر شيئًا سوى رصيد صاحبها في بنك المصالح.
أما الصمت، فكان بطل المرحلة الحقيقي. صمتٌ مرن، قابل للتمدد والانكماش بحسب اتجاه الرياح. يرى الخطأ فيبتسم، ويسمع الاعتراض فيهز رأسه بحكمة مصطنعة، ثم يهمس لصاحبه: “معك حق مئة بالمئة”،قبل أن يكتب علنًا: “كل شيء يسير على أفضل ما يرام”،إنه الصمت الذي لا يعترض خوفًا، ولا يؤيد قناعة، بل ينتظر فقط معرفة الجهة الرابحة قبل أن يقرر أين يقف.
والآن، بعد أن وُزعت المقاعد، وتسلّم كلٌّ نصيبه من الكعكة أو فتاتها، يبرز السؤال الكبير: هل سنشهد عودة مفاجئة للشجاعة؟ هل سيكتشف البعض فجأة أن لديهم آراء مؤجلة منذ سنوات؟ وهل سيتحول الصامتون إلى محللين سياسيين، والمتملقون إلى دعاة إصلاح ونقد ومحاسبة؟
قد يحدث ذلك فعلًا، لكن ليس لأن الضمير استيقظ، بل لأن موسم الحصاد انتهى. فبعض الناس يبالغ في المديح في أوقات المكاسب، ويصمت في أوقات الخطر، ثم يتحدث عن المبادئ عندما يتأكد أن الكاميرات انطفأت، وأن قوائم التعيينات قد أُغلقت.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نظلم الجميع. فهناك من أيّد عن قناعة، وهناك من صمت لأنه خائف، أو يائس، أو مقتنع بأن الكلام لا يغيّر شيئًا. لكن المشكلة ليست في المؤيد الصادق، ولا في الصامت المتعب؛ بل في محترفي التملق الذين يغيّرون مواقفهم أسرع من تغيير صور ملفاتهم الشخصية، وفي هواة الصمت النفاقي الذين يملكون رأيًا لكل جلسة خاصة، ولا يملكون نصف رأي في العلن.
لذلك، لا أتوقع أن ينتهي التملق قريبًا؛ فالتملق كائن اجتماعي ذكي. إذا أُغلقت أمامه بوابة مجلس الشعب، بحث عن بوابة أخرى: لجنة، أو هيئة، أو مؤسسة، أو وفد، أو حتى صورة جماعية مع مسؤول عابر. أما الصمت النفاقي، فهو أكثر قدرة على البقاء؛ لأنه لا يحتاج إلى جهد، بل إلى مراقبة دقيقة لاتجاه الريح.
وفي النهاية، قد نكتشف أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود المناصب، بل في وجود من يعتقد أن الكرامة يمكن أن تُستبدل ببطاقة دعوة، وأن الرأي يمكن أن يُؤجَّر حتى انتهاء موسم التعيينات.
وأعود فأكرر: بعد توزيع المهام والوظائف، وآخرها تعيين أعضاء مجلس الشعب، هل سنشهد لدى البعض نهاية مرحلة التملق للقيادة، وانتهاء الصمت النفاقي الذي لازمهم طوال الفترة الماضية؟ أم أن التملق سيجد مناسبة جديدة، وسيبقى الصمت ما دامت المصالح قائمة؟
الايام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

