فؤاد الوادي
لا يخرج العدوان “الإسرائيلي” على قريتي عابدين ومعرية في ريف درعا الغربي عن محاولة جديدة للغوص في أعماق التوترات التي تلف المنطقة والعالم، بحثاً عن مكاسب جيوسياسية على الأرض، ترسم من خلالها “إسرائيل” حدود القوة ومعادلات الردع، في مرحلة يجري فيها تسويق فكرة تفوقها العسكري وتحويله إلى وقائع ميدانية تتجاوز القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
وجاء التوغل “الإسرائيلي”، الذي رافقه قصف بالمدفعية والطيران الحربي، بعد أيام قليلة من اعتماد مجلس الأمن الدولي، بالإجماع، القرار رقم 2824 لعام 2026، القاضي بتمديد ولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك في الجولان السوري المحتل “أوندوف” ستة أشهر أخرى، تنتهي في 31 كانون الأول القادم. وفي ذلك رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة، مفادها أن الاحتلال غير معني بما يصدر عنهما من قرارات ومواقف، وأنه ماض في توغلاته وعدوانه تحت ذرائع أمنية لا تستند إلى أي أساس قانوني.
وفي العمق، يمكن قراءة هذا التصعيد امتداداً لمحاولة تكريس واقع احتلالي في جنوب سوريا، يقوم على تثبيت نقاط ومواقع عسكرية تجعل التوغل والانسحاب أمراً مألوفاً ومتكرراً. ويزداد هذا المعنى وضوحاً عند ربطه بالتصريحات “الإسرائيلية” المعلنة حول توسيع ما تسميه “مناطق أمنية”، وبالطموحات المرتبطة بالسيطرة على نقاط استراتيجية قرب المياه والأراضي الزراعية في حوض اليرموك.
وتقع قرية عابدين في واحدة من أكثر مناطق الجنوب السوري حساسية، ضمن حوض اليرموك، قرب الجولان السوري المحتل ووادي اليرموك والحدود السورية الأردنية، ما يمنحها أهمية عسكرية وجغرافية كبيرة. كما يضم محيطها سد عابدين، أحد مصادر الري المهمة للأراضي الزراعية في عدد من قرى الحوض، وتتموضع وسط منطقة زراعية بارزة في ريف درعا الغربي. ومن هنا، فإن أي تمركز عسكري “إسرائيلي” في محيط تل المغر أو عابدين يمنح الاحتلال قدرة أوسع على مراقبة التحركات داخل الحوض، وامتلاك أوراق ضغط مرتبطة بالمياه والأرض.
تحدٍّ سافر لمجلس الأمن
وفي هذا الإطار، قال الباحث السياسي جواد خرزم، في حديث لـ”الثورة السورية”، إن تكرار التوغلات “الإسرائيلية” في محيط معرية وعابدين وحوض اليرموك خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما في كانون الأول 2025، وكانون الثاني 2026، وحزيران 2026، يقرأ ضمن محاولات تهدف إلى تطبيع فكرة الوجود الاحتلالي في الوعي السوري والدولي. وأوضح أن أي توغل يمر من دون موقف شعبي أو رسمي أو دولي حازم يمنح الاحتلال فرصة لتعزيز الانطباع بأن وجوده في الجنوب بات واقعاً مفروضاً.
وأضاف خرزم أن سلوك التوغل ثم الانسحاب يختبر قدرة الدولة والمجتمع الدولي على الاستجابة، ويحاول فرض فكرة أن الحدود السورية يمكن اختراقها في أي وقت. ومن هنا برزت أهمية الرد العاجل من أهالي الجنوب على أي تمدد أو نصب حواجز ومواقع عسكرية، من خلال مقاومة شعبية تؤكد رفض الشارع السوري الاحتلال تحت أي عنوان. واستحضر خرزم معركة بيت جن في تشرين الثاني الماضي، حين تصدى الأهالي لاقتحام “إسرائيلي” وقصف جوي، ما أدى إلى استشهاد وإصابة مدنيين بينهم نساء وأطفال، وأظهر نموذجاً جديداً من الردع الشعبي.
ويعد الجنوب السوري خزاناً مائياً بالغ الأهمية، إذ ترفد مناطق جبل الشيخ والقنيطرة وحوض اليرموك روافد نهر الأردن والخزانات الجوفية في الجولان المحتل. وتدرك “إسرائيل” أن استعادة سوريا سيادتها الكاملة على المياه في الجنوب تعيد توازناً اختل منذ عام 1967، لذلك تسعى إلى فرض واقع جيوهيدرولوجي جديد يضمن لها تفوقاً طويل الأمد في إدارة الموارد المائية على حساب السيادة السورية.
ويرى خرزم أن التحركات “الإسرائيلية” في الجنوب تظهر ارتباط مخططات الاحتلال بإعادة ترسيم السيطرة على الموارد الطبيعية، فاستهداف قرية مدنية، وقصف أراض زراعية، وإطلاق النار على المدنيين، لا يمكن تبريره بذريعة أمنية. ويؤكد أن هذه الاعتداءات محاولة لخلق واقع احتلالي يجعل الوجود “الإسرائيلي” في الأراضي السورية أمراً عادياً، مع السعي للسيطرة على منابع المياه والأراضي الخصبة ضمن استراتيجية لإعادة تشكيل الخريطة المائية والزراعية للمنطقة.
وكان الرئيس أحمد الشرع أكد، في وقت سابق، أن سوريا منذ التحرير أرسلت رسائل إيجابية لإرساء دعائم السلام والاستقرار الإقليمي، وأعلنت أنها بلد استقرار وغير معنية بتصدير النزاعات، في حين قابلت “إسرائيل” ذلك بعنف شديد. وأوضح أن سوريا تعمل مع القوى الدولية للضغط على الاحتلال للانسحاب من الأراضي التي احتلها بعد 8 كانون الأول 2024، وأن أي اتفاق يجب أن يضمن مصالح سوريا أولاً. وقال: “إسرائيل تتحدث عن منطقة منزوعة السلاح، ودائماً ما تقول إنها تخشى أن تتعرض لهجمات من المنطقة الجنوبية في سوريا، فمن سيتولى حماية هذه المنطقة إن لم يكن هناك تواجد للجيش السوري ولقوات الأمن السورية؟”.
سوريا الأكثر استقراراً
وقبل أيام، أكد مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن التصريحات “الإسرائيلية” الأخيرة التي تعلن عدم الانسحاب من الأراضي السورية مثيرة للقلق، في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة، في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، بتسيير وساطة بين سوريا و”إسرائيل”. وأوضح خلال جلسة مجلس الأمن الخميس الماضي أن مطالبة سوريا بزيادة تمويل “أوندوف” تحمل دلالات واضحة، فالدولة التي تسعى إلى الصراع لا تطالب برقابة صارمة على اتفاق فض الاشتباك، في حين تواصل “إسرائيل” خرق اتفاق عام 1974 وفق التقارير المقدمة إلى مجلس الأمن.
وقال علبي إن أهالي المناطق التي توغلت فيها “إسرائيل” لم يتمكنوا من مشاركة السوريين والعالم الاحتفال في 8 كانون الأول بسقوط نظام وحشي، مشيراً إلى أن سكان القنيطرة والمناطق المحيطة واجهوا توغلات واختطافات وتدخلاً في حياتهم اليومية. وأضاف أن التبرير “الإسرائيلي” للوجود في الأراضي السورية لم يكن مقبولاً في أي وقت، ولم تعد أي ذريعة صالحة اليوم.
وكان مجلس الأمن اعتمد القرار 2824 بناء على مشروع تقدمت به روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية، وأعاد فيه التأكيد على القرارات السابقة المتعلقة بولاية “أوندوف”، وآخرها القرار 2811 لعام 2025، معرباً عن القلق إزاء جميع انتهاكات اتفاق فض الاشتباك بين قوات الاحتلال “الإسرائيلي” والجيش العربي السوري. كما دعا القرار إلى تنفيذ القرار 338 لعام 1973 فوراً، واحترام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 احتراماً دقيقاً وتاماً، ومنع أي نشاط عسكري في منطقة الفصل.
ويأتي تجديد ولاية “أوندوف” في ظل مخاوف متصاعدة لدى سكان القنيطرة ودرعا من تكرار عمليات التفتيش والاحتجاز والمداهمة، وفرض قيود على حركة المزارعين والوصول إلى الأراضي الزراعية القريبة من خط وقف إطلاق النار. ويعد القرار تمسكاً أممياً بالإطار القانوني الدولي، مع بقاء الحاجة قائمة إلى تحويل هذا التمسك إلى إجراءات عملية تكبح الانتهاكات.
ومطلع العام الحالي، زار وفد أممي مدينة القنيطرة، في خطوة وصفها علبي بأنها أسهمت في بلورة أفكار جديدة للحد من الانتهاكات “الإسرائيلية”. وتركزت الزيارة على تعزيز دور “أوندوف” في مراقبة الالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974، باعتباره الإطار القانوني القائم لتنظيم التواجد العسكري في المنطقة، وخطوة باتجاه تفعيل أدوات الوقاية من النزاعات.
وقد أدانت وزارة الخارجية والمغتربين بأشد العبارات الاعتداءات “الإسرائيلية” في القنيطرة ودرعا، وما رافقها من قصف مدفعي وترويع للمدنيين، معتبرة ذلك انتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وخرقاً جديداً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974. وقالت إن استمرار هذه الممارسات يقوض جهود ترسيخ الأمن والاستقرار، ويزيد معاناة المدنيين، وينذر بمزيد من التصعيد في المنطقة.
وكانت قوات الاحتلال توغلت الأحد في قرية عابدين بريف درعا الغربي، واستهدفت القرية ومحيطها برشاشات الطيران المروحي وقذائف المدفعية، ما تسبب بحالة هلع ونزوح محدود باتجاه القرى المجاورة. وأكد قائد عمليات الدفاع المدني في مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث جنوب سوريا أحمد الهاجر أن القصف لم يسفر عن إصابات، وأدى إلى خوف واسع بين الأهالي.
وفي ضوء هذا المشهد، لا يبدو العدوان على عابدين ومعرية حادثاً منفصلاً، إنما حلقة في سياسة أوسع تهدف إلى اختبار الشرعية الدولية، وتكريس واقع ميداني جديد، والضغط على سوريا في واحدة من أكثر مناطقها حساسية. وما بين تمديد “أوندوف” واستمرار التوغلات، يبقى السؤال قائماً حول قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدانة الانتهاكات إلى إلزام الاحتلال باحترام اتفاق 1974 والانسحاب من الأراضي السورية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

