آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة هادئة بين السطور (6): كيف تُبنى التوازنات؟

قراءة هادئة بين السطور (6): كيف تُبنى التوازنات؟

 

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

انتهت الحلقة السابقة عند مفهوم «حدِّ السكين»؛ تلك المساحة الدقيقة التي تبلغ فيها الأزمات أقصى درجات التصعيد، ثم تتوقف قبل أن تتحول إلى انفلات شامل يخرج عن قدرة الجميع على السيطرة.

 

غير أن السؤال الأهم يبقى قائمًا:

 

إذا كان التصعيد يُستخدم لإعادة ضبط ميزان القوى، فكيف تُبنى التوازنات التي يُراد الحفاظ عليها؟

 

التوازنات لا تُولد مع نهاية الحروب، ولا تُصنع في غرف التفاوض وحدها، ولا تقوم على القوة العسكرية وحدها، بل هي بناءٌ متحرك تتداخل فيه الجغرافيا مع السياسة، والاقتصاد مع الأمن، والطاقة مع الإعلام، والمصالح مع الوعي الجمعي للمجتمعات.

 

ولهذا، فإن قراءة أي إقليم استراتيجي من خلال ملف واحد، أو حدث واحد، أو تصريح واحد، تؤدي غالبًا إلى رؤية ناقصة؛ لأن ما يبدو أحداثًا متفرقة في ظاهرها قد يكون، في عمقه، أجزاءً من منظومة واحدة تتحرك بإيقاع واحد، وتخدم هدفًا واحدًا: الحفاظ على التوازن ومنع اختلاله.

 

ومن هنا يمكن فهم التوازنات بوصفها شبكة مترابطة من أدوات التأثير، لا مجموعة ملفات منفصلة.

 

الدائرة الأولى: الأمن الإقليمي

 

وهو الأساس الذي يمنع الفراغات الأمنية من التحول إلى بؤر صراع دائم، ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الذي يمنع أي طرف من فرض هيمنة منفردة تغيّر قواعد اللعبة.

 

الدائرة الثانية: الممرات البحرية والطاقة

 

فالمضائق، والموانئ، وخطوط نقل الطاقة، ليست مجرد مواقع على الخريطة، بل شرايين يتدفق عبرها الاقتصاد العالمي. ولهذا، فإن أمنها، أو حتى التهديد باضطرابها، يتحول إلى جزء من معادلة التوازن نفسها.

 

الدائرة الثالثة: الردع الاستراتيجي

 

فالردع لا يقوم على امتلاك القوة وحدها، بل على اقتناع جميع الأطراف بأن كلفة تجاوز حدود معينة ستكون أعلى من أي مكسب يمكن تحقيقه، فيبقى التوازن قائمًا حتى في أكثر اللحظات توترًا.

 

الدائرة الرابعة: وسائل الإعلام والرأي العام

 

وهنا تكمن إحدى أكثر أدوات التوازن تأثيرًا، وإن بدت أقلها ضجيجًا.

 

ففي لحظات التحول الكبرى، لا تتحرك الجيوش وحدها، ولا تتكلم البيانات الرسمية وحدها، بل تتحرك معها الجموع، والرموز، والمناسبات الجامعة، والخطابات، والصور، والمشاهد التي تُنقل إلى الداخل والخارج.

 

هناك، لا يكون المشهد العاطفي منفصلًا عن الحساب السياسي.

 

فقد تتحول صورة واحدة إلى رسالة تماسك، وقد يصبح خطاب قصير أكثر تأثيرًا من وثيقة طويلة، وقد تُقرأ بعض المواقف بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي أكثر مما تُقرأ بظاهر كلماتها.

 

ولهذا، فإن بناء التوازنات لا يعتمد على إدارة القوة العسكرية فقط، بل يعتمد أيضًا على إدارة الإدراك العام؛ لأن المجتمعات نفسها أصبحت جزءًا من معادلة الردع، كما أصبحت وسائل الإعلام إحدى أدوات تشكيل البيئة الاستراتيجية.

 

وهكذا، فإن الأمن، والطاقة، والردع، والإعلام، ليست مسارات متوازية، بل خيوط تنسج معًا نسيج التوازن. وإذا اختل أحدها، اهتزت بقية الخيوط؛ لأن المنظومة لا تعمل بالأجزاء، بل كوحدة واحدة.

 

ولذلك، فإن الدول التي تنظر إلى الأحداث منفصلة كثيرًا ما تُفاجأ بالنتائج. أما الدول التي تدرك ترابط هذه الأدوات، فتكون أقدر على قراءة التحولات، والتكيف معها، وحماية مصالحها.

 

ويبقى السؤال الذي يهم الدول الواقعة داخل هذه الأقاليم أكثر من غيرها:

 

إذا كانت القوى الكبرى ترسم اتجاه الرياح، وتدير أدوات التوازن وفق مصالحها…

 

فهل يكفي أن نراقب اتجاه الريح؟

 

أم أن الحكمة تقتضي أن نتعلم كيف نبني شراعًا قادرًا على الاستفادة منها؟

 

ذلك ما سنحاول قراءته بهدوء في الحلقة السابعة

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

يا له من زمن..!!

    سمير حماد   يا له من زمن، يسير كل شيء فيه معكوسًا، وكأن سائق العصر أبى إلا أن تكون عربته أمام الحصان، كعقابٍ ...