بقلم: المهندس محمود محمد صقر
كان من المقرر أن ننتقل في هذه الحلقة إلى الحديث عن “بناء الشراع”، كما وعدنا في ختام الحلقة السابقة. غير أن الأحداث المتسارعة، وما حملته من مؤشرات تستحق التأمل، فرضت سؤالاً يسبق الشراع نفسه.
فعلى امتداد أكثر من ستة وخمسين عاماً، بدت كثير من السياسات وكأنها مستقرة في اتجاهها العام، حتى خُيّل لكثيرين أنها ثوابت لا تقبل المراجعة.
فما الذي تغيّر اليوم؟
• لماذا تتغير السياسات بعد أكثر من ستة وخمسين عاماً؟
• هل تغيرت المبادئ، أم تغيرت البيئة؟
• لماذا تضطر حتى القوى العظمى إلى إعادة التموضع؟
• كيف تعيد القوى الكبرى ترتيب أدواتها؟
• لماذا لا يُقرأ تبدل المواقف دائماً بوصفه انقلاباً في الاستراتيجية؟
• وكيف ينعكس ذلك على الدول الواقعة داخل القوس الجيوسياسي؟
هذه الأسئلة لا تؤجل الحديث عن بناء الشراع، بل تمهد له.
فلا يمكن أن نتحدث عن كيفية الإبحار قبل أن نفهم لماذا تغيرت اتجاهات الرياح، وكيف يُعاد تشكيل البيئة التي ستبحر فيها الدول.
قد يظن البعض أن تبدل المواقف يعني تبدل المبادئ، أو أن تغيير السياسة دليل على التناقض. غير أن الجيوبوليتيك يقدم قراءة مختلفة؛ فالثبات في الأهداف لا يعني الجمود في الوسائل.
ولهذا، فإن السؤال الصحيح ليس:
لماذا تغيرت السياسة؟
بل:
ما الذي تغير في البيئة حتى أصبحت سياسة الأمس أقل قدرة على تحقيق الهدف نفسه؟
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً:
إذا كانت القوى العظمى هي نفسها التي أرست كثيراً من هذه السياسات طوال أكثر من ستة وخمسين عاماً، فلماذا بدأت اليوم تعيد النظر في بعض أدواتها؟
لأن البيئة الاستراتيجية التي نجحت فيها سياسات الأمس لم تعد هي نفسها اليوم، فقد طرأت عليها تحولات كبرى، من أبرزها:
أولاً: تغير البيئة الدولية.
فقد برزت أولويات إضافية، مثل تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وظهور الصين لاعباً عالمياً، والحرب في أوكرانيا، وأمن سلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، وتعدد بؤر التوتر. ومع اتساع هذه التحديات، أصبح من الطبيعي أن تسعى القوى الكبرى إلى بناء قدر أكبر من الاستقرار في بعض الأقاليم، لتوجيه مواردها إلى أولويات أخرى، دون التخلي عن مصالحها الأساسية.
ثانياً: تغير موازين القوى الإقليمية.
فقد تبدلت قدرات دول، وظهرت مراكز نفوذ جديدة، وتغيرت التحالفات، وأصبحت أدوات التأثير أكثر تنوعاً وتعقيداً، فلم تعد المقاربات القديمة كافية للحفاظ على التوازنات نفسها.
ثالثاً: تغير مفهوم الأمن.
فلم يعد الأمن يقتصر على القوة العسكرية، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، والممرات البحرية، وسواحل شرق المتوسط، وسلامة سلاسل الإمداد، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، باعتبارها جميعاً عناصر تؤثر مباشرة في ميزان القوة العالمي.
رابعاً: ارتفاع كلفة الصراع.
فالصراعات الممتدة لم تعد تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، بل بما تفرضه من أعباء اقتصادية، وضغوط سياسية، وتأثيرات على التجارة العالمية والاستقرار الدولي، الأمر الذي جعل البحث عن ترتيبات أكثر استقراراً أقل كلفة من استمرار إدارة الأزمات بالأدوات نفسها.
ولهذا، فإن ما يبدو أحياناً تغيراً في السياسة، قد يكون في الحقيقة محاولةً للحفاظ على الهدف نفسه، ولكن بأدوات جديدة فرضتها البيئة الجديدة.
فالقوة الحقيقية لا تظهر في التمسك بأدوات الأمس، بل في امتلاك القدرة على تغييرها عندما يتغير العالم.
فالاستراتيجية تحدد الاتجاه…
أما السياسة فتحدد الطريق.
والطريق يتغير كلما تغيرت تضاريسه.
ولهذا قد تنتقل القوى الكبرى من الاحتواء إلى الانخراط، أو من التصعيد إلى التفاوض، أو من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل بيئته، دون أن تكون قد تخلت بالضرورة عن أهدافها الكبرى.
إنها لا تغير البوصلة…
بل تعيد اختيار المسار.
ومن هذا المنظور، لا تُقرأ الأقاليم الواقعة داخل القوس الجيوسياسي بوصفها جغرافيا ثابتة، بل بوصفها بيئة تتبدل أهميتها كلما تبدلت موازين القوة.
فقد تبقى الأرض في مكانها…
بينما تتغير قيمتها الاستراتيجية.
وقد تبقى الدولة بحدودها نفسها…
بينما يتغير موقعها في حسابات القوى الكبرى.
وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الجيوبوليتيك:
الجغرافيا لا تتغير بسرعة… لكن طريقة قراءتها تتغير باستمرار.
ولهذا، فإن من يربط وعي الناس بخبر اليوم، يجعلهم أسرى لتقلبات الأخبار.
أما من يربط وعيهم بالمفاهيم، فإنه يمنحهم القدرة على فهم أخبار الغد.
إن الأحداث تملأ صفحات التاريخ…
أما التحولات، فهي التي تصنعه.
والآن… وقد فهمنا لماذا تتغير السياسات، ولماذا تضطر حتى القوى العظمى إلى إعادة تموضعها كلما تبدلت البيئة، أصبح بإمكاننا أن نعود إلى السؤال الذي وعدنا به منذ الحلقة السابقة:
إذا كانت الرياح لا تتغير من أجل أحد… فكيف تبني الدول شراعاً يجعلها تستفيد من اتجاهها، بدلاً من أن تصبح أسيرة له؟
ذلك ما سنحاول قراءته بهدوء في الحلقة القادمة
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

