عدنان كامل الشمالي
حين تقترب من صافيتا، تشعر وكأن المدينة تستقبلك بهدوئها قبل أن تستقبلك شوارعها. فهي ترتفع فوق تلة خضراء تتوسط الجبال، وتطل على مساحات واسعة من البساتين والسهول، فيما ينتصب برجها التاريخي شامخًا في قلبها، معلنًا منذ قرون أن لهذه المدينة حكاية تستحق أن تُروى. وتمتاز صافيتا بجمال طبيعي يجمع بين خضرة الريف واعتدال المناخ، وبساطة الحياة التي تمنح الزائر شعورًا بالراحة والسكينة، حتى غدت من أجمل المدن الجبلية في محافظة طرطوس، وأكثرها جذبًا لمحبي الطبيعة والتاريخ.
تقع مدينة صافيتا إلى الشرق من مدينة طرطوس، على بعد يقارب ثمانيةً وعشرين كيلومترًا، وترتفع نحو 370 مترًا فوق سطح البحر، مما يمنحها مناخًا معتدلًا معظم أيام السنة. ففي الصيف تنعم بأجواء لطيفة ومنعشة مقارنة بالمناطق الساحلية، بينما يكسوها الضباب وتهطل عليها الأمطار شتاءً، فتزداد جمالًا بين تلالها الخضراء وبساتينها الممتدة في كل الاتجاهات.
وتتميز صافيتا بطابع عمراني هادئ ينسجم مع طبيعتها الجبلية؛ فالمدينة مبنية على تلة واسعة تتدرج شوارعها بانسيابية، وتحيط بها أشجار الزيتون والصنوبر والسنديان، إلى جانب كروم العنب والتين. وتنبض أسواقها بالحياة من دون صخب، فيما تمنح مقاهيها وساحاتها الزائر فرصة للاستمتاع بأجواء مدينة ما زالت تحتفظ بأصالتها ودفء أهلها.
وفي قلب المدينة يقف برج صافيتا، أشهر معالمها وأحد أهم الآثار الصليبية الباقية في بلاد الشام، ويُعرف تاريخيًا باسم القصر الأبيض. وقد شُيّد في النصف الأول من القرن الثاني عشر الميلادي على يد فرسان الهيكل فوق موقع حصين أقدم، ليكون جزءًا من شبكة القلاع التي كانت تحمي الساحل السوري وتراقب الطرق المؤدية إلى الداخل. وقد اختير موقعه بعناية فوق أعلى نقطة في المدينة، مما أتاح له التواصل البصري مع عدد من القلاع والحصون المجاورة، فكان يؤدي دورًا دفاعيًا واستراتيجيًا بالغ الأهمية.
ويبلغ ارتفاع البرج نحو ثمانيةٍ وعشرين مترًا، وقد بُني من كتل حجرية كلسية ضخمة ما تزال تحتفظ بصلابتها بعد ما يقارب تسعة قرون. وتتميز جدرانه بسماكتها الكبيرة وفتحاتها الدفاعية الضيقة، في حين يضم طابقه الأرضي كنيسة تاريخية ذات أقبية حجرية ما تزال قائمة حتى اليوم، وهو ما يجعل البرج من أندر الحصون الصليبية التي حافظت على عناصرها المعمارية ووظيفتها الدينية معًا. وبعد دخول السلطان الظاهر بيبرس المنطقة سنة 1271م، بقي البرج محافظًا على هيئته الأساسية، ليغدو اليوم أحد أفضل الأبراج الصليبية حفظًا في المشرق، ومن أبرز المعالم الأثرية في سورية.
ومن أعلى البرج، تنكشف أمام الزائر لوحة بانورامية آسرة تمتد فوق تلال صافيتا وبساتينها، وفي الأيام الصافية يصل البصر إلى مياه البحر الأبيض المتوسط، في مشهد يجمع بين عظمة التاريخ وروعة الطبيعة.
ولا تكتمل زيارة صافيتا دون التوجه إلى نبعة الفوّار، التي تُعد من أشهر المواقع الطبيعية في المنطقة، حيث تتدفق مياهها بغزارة وسط الأشجار والظلال الوارفة، لتشكل متنزهًا يقصده الأهالي والزوار على مدار العام، ولا سيما في فصلي الربيع والصيف، لما تتمتع به من أجواء منعشة وجمال طبيعي أخّاذ.
إن صافيتا ليست مجرد مدينة تاريخية تتوسط الجبال، بل هي لوحة تجمع بين عبق الماضي وسكينة الحاضر. ففيها يلتقي الأثر بالطبيعة، ويمنح البرج العريق والوديان الخضراء والهواء النقي الزائر تجربة لا تُنسى، تجعل من صافيتا محطة تستحق أن تتصدر الوجهات السياحية في الساحل السوري، وأن تبقى من أجمل مدنه وأكثرها سحرًا





(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

