رؤية: علي نفنوف
منذ أن وقف سقراط في شوارع أثينا باحثًا عن الحقيقة، كان يضع كل شيء أمام امتحان السؤال. لم يكن يقبل أن تكون البلاغة دليلًا على المعرفة، ولا أن يكون جمال القول برهانًا على امتلاك الحقيقة. وعندما وصل إلى الشعر والشعراء، وجد نفسه أمام ظاهرة شديدة التعقيد: إنسان يقول كلامًا يهز الأرواح، لكنه قد لا يستطيع أن يشرح كيف وصل إلى هذا الجمال.
من هنا بدأ السؤال السقراطي الكبير: هل الشاعر يعرف ما يقول؟
كان سقراط يرى أن الشاعر قد يمتلك الإلهام، وقد ينطق بأفكار عظيمة، لكنه لا يملك دائمًا المعرفة التي تجعل قوله قائمًا على الفهم والبرهان. فالشاعر الذي يصف الحرب ليس بالضرورة محاربًا، والذي يتحدث عن النفس ليس بالضرورة عالمًا بها. والجمال، في رأيه، لا يكفي وحده لإثبات الحقيقة.
لكن هذا السؤال، رغم قوته الفلسفية، يفتح سؤالًا آخر: هل كل معرفة هي المعرفة التي نستطيع شرحها؟ وهل الإنسان لا يعرف إلا ما يستطيع أن يحوله إلى قانون أو نظرية؟
ربما هنا يكمن اختلاف الشعر عن بقية أشكال المعرفة.
فالشاعر لا يدخل إلى العالم من باب التفسير فقط، بل من باب الاكتشاف. إنه لا يبحث عن الأشياء في صورتها الظاهرة، بل عن أسرارها المختبئة. يعرف أن للنهر ذاكرة، وللضوء لغة، وللغياب حضورًا لا يقل عن حضور الأشياء.
إن ذكاء الشاعر ليس في امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل في القدرة على رؤية العلاقات التي لا يراها الآخرون بين الأشياء. إنه ذكاء الالتقاط، وذكاء التحويل؛ أن يحول تجربة فردية إلى إحساس إنساني مشترك، وأن يمنح اللحظة العابرة حياة جديدة.
عندما قال المتنبي:
عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ
بما مضى أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ
لم يكن يسأل عن العيد، بل عن الإنسان الذي يقف أمام الزمن حاملًا ذاكرته وخيباته وأسئلته. لقد كشف ما وراء المناسبة، وجعل من لحظة عادية سؤالًا وجوديًا.
وكذلك فعل محمود درويش حين جعل الحياة نفسها موقفًا شعريًا:
ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلًا
فهو لم يصف الحياة، بل دافع عنها باللغة، وحوّل التجربة الإنسانية إلى معنى يتجاوز المكان والظرف.
وفي تجربتي الشعرية الخاصة، أود أن أدافع عن هذا التصور، بوصفه إجابة عن كثير من الأفكار السائدة حول الشعر والشعراء. لذلك أستعرض بعض النماذج من كتاباتي، انطلاقًا من سؤال يظل قائمًا: كيف تتحول الأشياء الصغيرة إلى أبواب للمعاني الكبيرة؟
حين يصبح النهر حاملًا لأسماء الذين عبروا، فإن الشاعر لا يصف نهرًا فحسب، بل يكتب عن الذاكرة والزمن:
وما زالَ النهرُ
يحملُ أسماءَنا القديمة…
ثم يمضي
كأنَّ ما كان
لم يكنْ
سوى ظلٍّ
تعلَّمَ
كيف يختفي.
إن النهر هنا ليس ماءً جاريًا، بل شاهد على مرور الإنسان. إنه يحمل الأثر ثم يمضي، كما تمضي الحياة وهي تحمل ما لا نستطيع الاحتفاظ به.
وحين تتحول العلامة على الجسد إلى صورة شعرية:
وشمتْ على سفوحِ نهديها
أسرابَ عصافيرَ من نارٍ…
تتطايرُ كلما مرَّ الضوءُ
على مواسمِ أنوثتِها،
كأنَّ الريحَ
تعرَّتْ للتوِّ.
فإن الشاعر لا يقف عند الوصف الحسي، بل يذهب إلى ما وراءه؛ إلى الطاقة المختبئة في الصورة، وإلى العلاقة بين الضوء والحركة والرغبة والجمال.
وفي لحظة أخرى تصبح الروح مساحة للرسم:
سأرسمُ على حيطانِ روحي
وردةً من نار…
فتلتقي الرقة بالاحتراق، والحياة بالألم، ويظهر الإنسان كما هو: كائنًا يحمل التناقضات في داخله.
هذه القدرة على الجمع بين المتناقضات هي واحدة من أسرار ذكاء الشاعر. فالشاعر لا يرى العالم أجزاءً منفصلة، بل يرى الخيط الخفي الذي يصل بينها.
لذلك فإن المعرفة الشعرية ليست بديلًا عن المعرفة العلمية، لكنها ليست أقل منها. إنها معرفة من نوع آخر؛ معرفة تنشأ من التجربة والحدس والخيال. فالعالم يبحث عن قوانين الأشياء، والفيلسوف يبحث عن معناها، أما الشاعر فيكشف علاقتها بالروح الإنسانية.
قد لا يستطيع الشاعر دائمًا أن يشرح لماذا وُلدت هذه الصورة في داخله، لكنه يعرف أثرها. وكما يعرف الرسام أين يضع اللون قبل أن يضع نظرية في الضوء، يعرف الشاعر أين يضع الكلمة كي تفتح نافذة في قلب الإنسان.
إن سؤال سقراط: “هل يعرف الشاعر ما يقول؟”لا يمكن الإجابة عنه بالنفي. فالشاعر يعرف، لكن معرفته لا تسكن دائمًا في التعريفات، بل تسكن في القدرة على رؤية ما وراء المرئي.
الشعر ليس هروبًا من الحقيقة، بل اقتراب منها عبر طريق آخر. فهناك حقائق لا تصل إليها الفكرة وحدها، بل تحتاج إلى صورة، وإلى إيقاع، وإلى قلب يعرف كيف يصغي إلى العالم



(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

