أحمد رفعت يوسف
شهدت الحركة السياسية والدبلوماسية من وإلى دمشق حراكاً نشطاً يؤكد أهمية دورها وموقعها الجيوسياسي في رسم الخرائط التي تُعاد صياغتها في المنطقة، وسط تشابكات معقدة ومتعارضة في المواقف والمصالح والطموحات بين الدول والقادة، وارتباط ما يجري بالصراعات الأخرى، ولا سيما في الجبهة الإيرانية، ومضيق هرمز، وأوكرانيا، والصراع الأمريكي الصيني على قيادة السياسات والاقتصاد العالمي، إضافة إلى التواجد الروسي في سورية، وغاز شرق المتوسط، ومشاريع إعادة الإعمار في سورية ولبنان والعراق.
وكان أبرز هذه التحركات زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى أنقرة، بالتزامن مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لتغدو العلاقات الثنائية بين دمشق وكل من واشنطن وباريس وأنقرة واحدة من المحطات الرئيسية التي تشهدها المنطقة، في سياق إعادة رسم موازين القوى والخرائط الجيوسياسية، والمشاريع المطروحة للهيمنة عليها، وتحديد دور كل طرف فيها، في ظل ترتيبات تُرسم في ظروف السلم والتوتر على حد سواء.
وزيارة ماكرون إلى دمشق، التي تُعد مفتاح منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، لا تنفصل عن المحاولات الحثيثة لفرنسا للإبقاء على موطئ قدم لها في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجيوسياسية، وهي منطقة كان لها فيها حضور بارز خلال حقبة النفوذ الفرنسي. ويأتي ذلك في وقت تتراجع فيه مكانة فرنسا الدولية، وتنسحب من كثير من مناطق نفوذها، تارةً بالقوة وتارةً عبر السياسة والدبلوماسية، ولا سيما في أفريقيا، وحتى في لبنان الذي لطالما أطلقت عليه وصف “الأم الحنون”.
ومهمة ماكرون في دمشق ليست سهلة، في ظل تغير موازين القوى الإقليمية والدولية على نحو لا يصب في مصلحة فرنسا، ومع وقوف معظم الدول الفاعلة في الملف السوري ضد منحها دوراً يتجاوز حجمها وتأثيرها الحاليين، وفي مقدمة تلك الدول الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وبريطانيا والكيان الصهيوني.
ومع هذه التعقيدات والعراقيل التي تواجه الطموحات الفرنسية، لا يبدو أن أمام باريس سوى دور سياسي ومعنوي، إلى جانب بعض الأدوار اللوجستية التي قد تطلبها منها واشنطن، فضلاً عن مكانتها بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وما تمتلكه من إرث سياسي في المنطقة. وقد يمنحها ذلك قدراً من التأثير في الملف السوري، وربما بعض العقود الثانوية في مجالات النفط والغاز وإعادة الإعمار، لكنه، بالتأكيد، لن يكون دوراً رئيسياً وفاعلاً.
أما سورية، التي لا تزال تواجه تحديات كبيرة، فمن مصلحتها تطوير علاقاتها مع مختلف دول المنطقة والعالم، وفي مقدمتها فرنسا، بوصفها عضواً فاعلاً في الاتحاد الأوروبي وعضواً دائماً في مجلس الأمن، ما يجعل تطوير العلاقات الثنائية مصلحة مشتركة، ولا سيما بالنسبة لدمشق.
أما تركيا، التي دعت الرئيس أحمد الشرع إلى أنقرة بالتزامن مع انعقاد قمة الناتو، ورتبت له لقاءً مع الرئيس ترامب، فهي تسعى إلى تأكيد أنها الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً في الملف السوري، كما ترغب في تعزيز هذا الدور في مواجهة الكيان الصهيوني، الذي تعده منافسها الأول في الساحة السورية، وكذلك في مواجهة السعودية، منافستها الأبرز على زعامة العالم الإسلامي، في ظل إدراك الطرفين أن هذه الزعامة يصعب أن تكتمل من دون حضور سورية إلى جانب أي منهما.
ويحمل اختيار موعد قمة الناتو لدعوة الشرع إلى أنقرة دلالة سياسية، إذ يعكس، وفق هذا المنظور، تموضع سورية الجديد ضمن الفضاء الغربي بقيادة الولايات المتحدة، بعيداً عن التحالف الذي كانت تنتمي إليه قبل التحولات الدراماتيكية التي شهدتها البلاد.
ويبقى اللقاء الأكثر إثارة للجدل هو الذي جمع الشرع وترامب، حيث واصل الرئيس الأمريكي، كعادته، إطلاق تصريحات أثارت حرج ضيوفه، من دون مراعاة لحساسيات مواقعهم أو مسؤولياتهم.
فقد أعاد ترامب التذكير بأنه، إلى جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، كان وراء وصول الشرع إلى منصبه، قبل أن يثني عليه بكلمات قد تكون محرجة أكثر مما هي مريحة.
لكن التصريح الأكثر إثارة كان تكراره القول إنه منح الجولان للكيان الصهيوني، في موقف يتعارض مع قرارات الشرعية الدولية والأعراف السياسية والدبلوماسية.
أما الرئيس الشرع، الذي يدرك حساسية الموقف واختلال ميزان القوى لمصلحة ترامب، فقد فضل عدم الرد خلال اللقاء، لكنه كان أكد في نيسان الماضي خلال مشاركته في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا. أن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل يُعد باطلاً، مشدداً على أن الجولان أرض سورية وحق للشعب السوري.
وتبرز، في هذا السياق، المطالب التي تطرحها واشنطن والدول الغربية على السلطات السورية، والمتعلقة بملفات الديمقراطية، والأقليات، والمقاتلين الأجانب، إلى جانب المهل الزمنية المحددة لتنفيذها، وربط الوعود الأمريكية والغربية، وفي مقدمتها إخراج سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بمدى الاستجابة لهذه المطالب.
وفي ظل هذه التشابكات، يبدو الموقف السوري في غاية التعقيد، ويتطلب تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج. إلا أن الموقع الجيوسياسي لسورية، وحاجة دول المنطقة والقوى الكبرى إليها، قد يشكلان عنصر قوة يمكن البناء عليه في مواجهة الضغوط الخارجية، شريطة حسن استثماره، إلى جانب العمل على تعزيز الجبهة الداخلية، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتحقيق الأمن والاستقرار للمواطنين

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
