كتب: عدنان كامل الشمالي
ما إن انطلقت فعاليات مهرجان دريكيش، حتى سارعت بعض صفحات التواصل الاجتماعي إلى توجيه انتقادات قاسية، بل وشتائم بحق أهل المدينة، وكأنهم ارتكبوا ذنبًا لا يُغتفر لأنهم حاولوا أن يبتسموا، أو أن يفتحوا نافذة صغيرة للحياة وسط هذا الكم الهائل من الأوجاع.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل أصبح الفرح جريمة او تهمة؟
مهرجان دريكيش ليس حفلة راقصة للاحتفال بآلام الآخرين، وليس مناسبة للتغاضي عن المآسي التي يعيشها السوريون. إنه مهرجان سياحي وتجاري واجتماعي، يهدف إلى تحريك الأسواق التي تعاني من ركود قاسٍ، ويدعم أصحاب المحال والحرف والمهن، ويمنح المدينة وبعض المناطق المحيطة بها شيئًا من الحركة الاقتصادية التي بات الجميع بأمسّ الحاجة إليها.
وفي الوقت نفسه، شكّل المهرجان متنفسًا اجتماعيًا لأسر أنهكتها سنوات الحرب والأزمات والضغوط المعيشية. ساعات قليلة من اللقاء والفرح والترفيه لا تعني أن الناس نسوا آلامهم، وإنما تعني أنهم يحاولون أن يتعايشوا معها، وأن يتمسكوا بما بقي من قدرة على الاستمرار.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش عمره كله في حالة حداد دائم، والحياة، مهما اشتدت قسوتها، لا تتوقف.
والمفارقة التي يصعب فهمها أن الأصوات نفسها التي استنكرت مهرجانًا محليًا في دريكيش، لم تستنكر مظاهر الفرح الصاخبة التي عمّت مدنًا كثيرة عند فوز منتخب الأرجنتين، حيث امتلأت الشوارع بالأهازيج والمواكب والاحتفالات حتى ساعات الفجر. يومها لم يقل أحد إن الفرح خيانة للمآسي، ولم يطالب الناس بإطفاء مظاهر البهجة احترامًا للأحزان.
فلماذا يصبح الفرح مباحًا عندما يكون مرتبطًا بكرة القدم، ومحرّمًا عندما يكون مرتبطًا بتنشيط مدينة، وتحريك اقتصادها، وإدخال شيء من السرور إلى أطفالها وأهلها؟
إن دريكيش لا تنكر وجود الألم، ولا تدّعي أن البلاد بخير. لكنها ترفض أيضًا أن تتحول إلى مدينة ترتدي السواد إلى الأبد. فالمدن لا تُبنى بالدموع وحدها، والأسواق لا تنتعش بالحزن، والأطفال لا يكبرون على مشاهد الكآبة المستمرة.
من حق كل إنسان أن يحزن، ومن حقه أيضًا أن يبحث عن لحظة أمل. وليس من العدل أن يُطلب من مدينة كاملة أن تعيش في عزاء دائم، وكأن الابتسامة أصبحت تهمة.
أما إذا كان المطلوب من دريكيش أن تبقى تبكي ليل نهار، وألا تفتح سوقًا، ولا تقيم مهرجانًا، ولا تسمح لأطفالها بالفرح، فليتكرم أصحاب هذه الدعوات بإرسال شحنة من المحارم إلى المدينة، لأن الدموع وحدها – في نظرهم -هي النشاط الوحيد المسموح به.



(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

