آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » نحو السقوط… نصعد حين نخطئ في فهم المفاهيم

نحو السقوط… نصعد حين نخطئ في فهم المفاهيم

بقلم: علي نفنوف

 

دبي

 

 

منذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو يخاف السقوط أكثر مما يخاف الموت. يسقط الطفل فيبكي، ويسقط الفارس فيخجل، وتسقط الإمبراطوريات فتُكتب كتب التاريخ، ويسقط الإنسان في الخطيئة فتُكتب الفلسفات والشرائع. حتى اللغة نفسها جعلت كلمة “السقوط” مرادفًا للهزيمة، والفشل، والانكسار، والانحدار، وكأن كل حركة نحو الأسفل هي خسارة، وكل حركة نحو الأعلى هي انتصار.

لكن، ماذا لو كان الإنسان قد أخطأ في تسمية الأشياء؟
ماذا لو لم يكن السقوط سقوطًا أصلًا…؟

عندما يصعد طفل إلى شجرة ثم يعود إلى الأرض، هل نقول إنه سقط؟ أم إنه عاد إلى موطنه الطبيعي؟ الأرض ليست مكانًا غريبًا عنه، بل هي المكان الذي خرج منه، والمكان الذي يمشي عليه، والمكان الذي سيعود إليه في النهاية. فهل العودة إلى الأصل سقوط، أم إننا نحن الذين ألبسنا العودة ثوب الهزيمة؟

الفيزياء لا تعرف ما نسميه سقوطًا. فهي لا تحكم على الحجر بأنه خاسر لأنه هبط، ولا على المطر بأنه مهزوم لأنه نزل، ولا على التفاحة بأنها أخطأت حين عادت إلى الأرض. الطبيعة لا تعرف لغة الإهانة التي اخترعها الإنسان، إنها تعرف قانون الجاذبية فقط. أما كلمة “السقوط”، فهي اختراع بشري، أضاف إليه الإنسان أحكامه الأخلاقية والنفسية والاجتماعية.

ولعل أول سؤال يجب أن نطرحه ليس: لماذا نسقط؟ بل: متى يصبح النزول سقوطًا؟

البذرة لا تنبت إلا إذا سقطت في التراب.
وقطرة المطر لا تصنع الحياة إلا إذا هبطت من السماء.
والجذور كلها تتجه إلى الأسفل، بينما الأغصان وحدها تصعد إلى الأعلى. ومع ذلك، لا أحد يحتفل بالأغصان وينسى الجذور.

إذن، ليس كل نزول سقوطًا.
قد يكون النزول شرطًا للحياة.

وتقف أسطورة سيزيف أمامنا لتعيد طرح السؤال من جديد.

اعتدنا أن نصف سيزيف بأنه الرجل الذي يسقط حجره كل يوم، وكأن المأساة في سقوط الصخرة.

لكن، هل كانت الصخرة هي التي تسقط؟
أم كان سيزيف هو الذي يرتقي معها في كل محاولة؟

إن الذي ينظر إلى سيزيف بعين اليأس يرى حجرًا يتدحرج من القمة، أما الذي ينظر إليه بعين الفلسفة فيرى إنسانًا يرفض الاستسلام.

الصخرة لم تكن تهزم سيزيف، بل كانت تختبره.
كل عودة إلى أسفل كانت بداية صعود جديد.
ولو وصلت الصخرة إلى القمة مرة واحدة، لانتهت الحكاية كلها.

كانت قيمة سيزيف في المحاولة، لا في الوصول.

ولعل الصخرة لم تكن عبئًا، إنما كانت معلمه الأكبر.

لقد كان يبحث، من حيث لا يدري، عن سر الإصرار.

والأمر نفسه يتكرر في المختبرات العلمية.

هل فشل الكيميائي ألف مرة؟
أم إنه اكتشف ألف طريقة لا تؤدي إلى النتيجة؟

العالم الذي يعيد التجربة مرة، ثم مرتين، ثم مئة، ثم ألف مرة، لا يسقط مع كل تجربة فاشلة، بل يضيف إلى معرفته طبقة جديدة.

العلم لا يقيس النجاح بعدد الإخفاقات، بل بما تعلمه الإنسان منها.

ولذلك لم يكن توماس إديسون يرى آلاف تجاربه الفاشلة سقوطًا، بل كان يرى أنها استبعاد لآلاف الطرق الخاطئة، واقترابًا من الطريقة الصحيحة.

إن المختبر لا يعرف كلمة الفشل كما يعرفها المجتمع.

المختبر يعرف التجربة.
والتجربة لا تعترف بالسقوط، بل تعترف بالتعلم.

بل إن الحضارة كلها قامت على ما نسميه نحن “الإخفاق”.

كم من عالم سخر الناس منه!
وكم من فيلسوف اتُّهم بالجنون!
وكم من شاعر مات مجهولًا، ثم أصبح صوته بعد موته أحد أعمدة الأدب.

المجتمع يصف الخارج عن المألوف بأنه سقط.
أما التاريخ، فيصفه بأنه سبق عصره.

وهنا يختلط السقوط بالتمرّد.
ويختلط الفشل بالاكتشاف.
ويختلط الألم بالولادة.

الفلسفة نفسها لم تتفق على تعريف واحد للسقوط.

عند أفلاطون، هو ابتعاد النفس عن عالمها الكامل.
وعند كيركغارد، هو الابتعاد عن الذات الحقيقية.
وعند هايدغر، هو الذوبان في القطيع حتى يفقد الإنسان فرديته.
وعند سارتر، هو الهروب من مسؤولية الحرية.

لكن يجمعهم جميعًا أمر واحد: أن السقوط الحقيقي لا يحدث للجسد، إنما للوعي.

ليس الذي يقع من جبل هو الساقط.
ربما الذي يفقد إنسانيته وهو واقف.

لذلك أجد أن اللغة ظلمت هذه الكلمة.

فهي جعلت كل نزول سقوطًا، بينما الحياة تقول شيئًا آخر.

إن الطفل يسقط مئات المرات قبل أن يتعلم المشي.
والطائر الصغير يسقط من عشه قبل أن يتقن الطيران.
والشجرة تبدأ حياتها من بذرة مدفونة في ظلمة الأرض.
والإنسان نفسه يبدأ حياته خارج رحم أمه بعد رحلة نزول، لا صعود.

فهل كانت كل هذه البدايات سقوطًا؟
أم كانت بدايات للحياة؟

ربما آن الأوان لأن نعيد تعريف السقوط.

فالسقوط ليس أن تهبط إلى الأسفل.
وليس أن تخسر معركة.
وليس أن تعود إلى نقطة البداية.

السقوط الحقيقي هو أن تتوقف عن المحاولة.
أن تتصالح مع العجز.
أن تستسلم قبل أن تعرف الطريق.
أن تخون ذاتك، وتتنازل عن حريتك، وتكف عن السؤال.

أما من يحمل صخرته كل صباح، ويصعد بها رغم يقينه بأنها ستعود، فهو ليس إنسانًا سقط، بل إنسان اكتشف أن قيمة الحياة ليست في بلوغ القمة، وإنما في القدرة على مواصلة الطريق إليها.

ولذلك، فإن سيزيف لم يكن يبحث عن قمة الجبل، بل كان يبحث عن معنى الإنسان.

ولم يكن الكيميائي يفتش عن تفاعل جديد فحسب، بل كان يفتش عن معنى المعرفة.

ولم تكن البذرة تهبط إلى التراب لأنها انهزمت، بل لأنها أدركت أن الحياة لا تبدأ فوق الأغصان، وإنما في أعماق الأرض.

لهذا كله، أؤمن أن السقوط ليس حركةً نحو الأسفل، بل حالةٌ يفقد فيها الإنسان معنى وجوده. أما كل نزول يضيف إلى الإنسان معرفة، أو يوقظ فيه إرادة، أو يجعله أكثر قدرة على النهوض، فليس سقوطًا على الإطلاق، بل هو احد الأسماء الأخرى للصعود

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرفة تجارة وصناعة طرطوس تواصل تنفيذ مشروع التطوير الإداري والرقمي وفق معايير الجودة العالمية

  تواصل غرفة تجارة وصناعة طرطوس تنفيذ برنامجها للتطوير الإداري والرقمي، بالتعاون مع شركة EMBS للهندسة الإدارية والجودة، ضمن مشروع متكامل يهدف إلى تأهيل الغرفة ...