آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » البحر الأحمر… الشريان الذي يعيد رسم خريطة التجارة السعودية بعد توترات هرمز

البحر الأحمر… الشريان الذي يعيد رسم خريطة التجارة السعودية بعد توترات هرمز

 

يمثل البحر الأحمر واحداً من أكثر الممرات المائية حيوية في التجارة الدولية، حيث تشير بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتادNCTAD إلى أن نحو 12% من حجم التجارة العالمية يمر عبره، وعبر قناة السويس، سنوياً. ويعبر هذا الممر أيضاً نسبة مماثلة تقارب الـ 12% من إجمالي النفط المتداول عالمياً، إلى جانب عشرات آلاف السفن التجارية سنوياً، ما يجعله ممراً إجبارياً تقريباً للربط بين المحيطين الأطلسي والهندي. وتزداد هذه الأهمية بالنسبة إلى السعودية لكونها أكبر اقتصاد بين الدول المطلّة على البحر الأحمر، وتمتلك موقعاً جغرافياً يتيح لها الاستفادة من حركته الملاحية المتصاعدة.

 

 

البحر الأحمر كشريان بديل لتدفقات الطاقة

اكتسب الساحل الغربي السعودي أهمية إضافية أخيراً في ظل اضطرابات حركة الشحن عبر مضيق هرمز، حيث تحوّل ميناء ينبع إلى منفذ رئيسيّ لصادرات النفط الخام، بعد أن حوّلت المملكة أكثر من 70% من صادراتها النفطية إلى هذا المسار. وارتفعت شحنات النفط من ينبع إلى نحو 4 ملايين برميل يومياً في الأسابيع الأخيرة، مقارنة بنحو 973 ألف برميل يومياً قبل عام، بحسب بيانات شركتي “كبلر” (Kpler) و”سيغنال أوشن” (Signal Ocean). وبلغ إجمالي كميات النفط العابرة لمضيق باب المندب 7.4 ملايين برميل يومياً في حزيران/يونيو 2026، أي نحو 7% من الإنتاج العالمي، بزيادة 4.2 ملايين برميل يومياً عن العام الماضي، وفق بيانات “كبلر”.

لا تقتصر أهمية البحر الأحمر على النفط فقط، فهو أحد المسارات الأساسية لحركة السلع والبضائع، حيث تعتمد عليه التجارة السعودية مع الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يجعل أمن الملاحة عاملاً مؤثراً بشكل مباشر على كلفة الاستيراد والتصدير وسلاسل الإمداد.

 

 

جدة الإسلامي: قلب المنظومة اللوجستية

يشكّل ميناء جدة الإسلامي محور الاستثمار السعودي على البحر الأحمر بطاقة استيعابية تبلغ 130 مليون طن سنوياً، مع قدرة على مناولة 10.2 ملايين حاوية قياسية عبر 62 رصيفاً. وتُظهر بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن الميناء استقبل 3805 سفن، أي 43.8% من إجمالي السفن التي استقبلتها موانئ المملكة، وناول 47.09 مليون طن من البضائع (14.1% من الإجمالي)، إضافة إلى نحو 217.6 ألف مسافر.

 

 

تتجلى مكانة الميناء الإقليمية بوضوح أكبر في تجارة المسافنة (Transshipment)، إذ استحوذ على 86% من بضائع المسافنة الواردة إلى المملكة (8.96 ملايين طن) و84.5% من الصادرة (9.26 ملايين طن)، كما ناول 858,547 حاوية مسافنة واردة (82.7% من الإجمالي)، و784,661 حاوية صادرة (83.3%). وتعكس هذه النسب أن دور الميناء لا يقتصر على خدمة الواردات والصادرات السعودية، بل يمتد إلى كونه مركزاً إقليمياً لإعادة شحن الحاويات وتوزيعها على موانئ أخرى في المنطقة.

 

 

من الأرصفة إلى منظومة لوجستية متكاملة

تكشف مسيرة الاستثمار في ميناء جدة الإسلامي منذ 2021 عن تحول تدريجي في فلسفة التطوير، من التركيز على زيادة الطاقة الاستيعابية للأرصفة إلى بناء منظومة لوجستية متكاملة تشمل التخزين والتجميع وإعادة التصدير. بدأ هذا المسار في تشرين الأول/أكتوبر 2021 باتفاقية بين الهيئة العامة للموانئ (“موانئ”) وشركة “ميرسك العربية السعودية” لإنشاء أكبر منطقة لوجستية متكاملة للشركة في الشرق الأوسط، باستثمارات تجاوزت الـ 500 مليون ريال (133.3 مليون دولار). تلا ذلك في آذار/مارس 2022 افتتاح مستودعات بالتعاون مع “لوجي بوينت” باستثمارات بلغت 150 مليون ريال (40 مليون دولار)، ثم اتفاقية مع “دي بي ورلد” في حزيران/يونيو من العام نفسه بقيمة تجاوزت الـ 500 مليون ريال أيضاً.

 

 

وفي أيلول/سبتمبر 2022، وقّعت “موانئ” حزمة من سبعة عقود ومذكرات تفاهم بقيمة تقارب الـ 900 مليون ريال (240 مليون دولار)، شملت مناطق لوجستية ومشروعات لتعميق القنوات والأحواض الملاحية. وبعد شهر واحد، وقّعت عقدين تزيد قيمتهما عن 640 مليون ريال (170.6 مليون دولار) لرفع قدرة الميناء على استقبال السفن الكبيرة، ورفعت عدد الأرصفة من 26 إلى 31.

 

 

وجاءت الحلقة الأخيرة من هذا المسار في 16 تموز/يوليو 2026، حين وقّعت “موانئ” سبع اتفاقيات استثمارية جديدة مع شركات محلية وعالمية بقيمة تقارب المليار ريال (نحو 266.6 مليون دولار)، لإنشاء وتوسعة مراكز لوجستية في جدة الإسلامي ومنطقة الخُمرة، على مساحة إجمالية تتجاوز 444 ألف متر مربع. ومع هذه العقود، ارتفع عدد المراكز اللوجستية في الموانئ السعودية إلى 34 مركزاً، منها 17 مركزاً في جدة الإسلامي وحده، بإجمالي استثمارات يتجاوز الـ 14 مليار ريال (نحو 3.73 مليارات دولار) منذ بدء البرنامج قبل نحو خمس سنوات. ويُنتظر أن توفر أكثر من خمسة آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

 

 

البحر الأحمر ورؤية 2030

يرتبط تطوير موانئ البحر الأحمر بأهداف رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، حيث تسعى المملكة إلى تحويل موانئها الغربية إلى مراكز رئيسية لإعادة التوزيع وجذب الاستثمارات الأجنبية. وفي هذا السياق، تستعدّ السعودية للاستحواذ على ما يصل إلى 45% من قطاع خدمات سفن الروافد (الشحن الخفيف بين السفن الكبيرة والموانئ) في البحر الأحمر، بحسب تقرير حديث.

 

 

كذلك، يرتبط الساحل الغربي بمشروعات تنموية أوسع، أبرزها “البحر الأحمر الدولية” (Red Sea Global) السياحي، الذي أعلن في مطلع 2025 أن القيمة الإجمالية للعقود الموقعة ضمنه بلغت 7.5 مليارات ريال (نحو 2 مليار دولار)، بحسب بيان رسمي للشركة. ويهدف المشروع إلى توفير آلاف فرص العمل وتعزيز مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي غير النفطي، في إطار الاستراتيجية الأوسع لتنمية الساحل الغربي للمملكة.

 

 

يعكس هذا التوجه انتقال المملكة تدريجياً من تطوير البنية الأساسية للموانئ إلى بناء منظومة متكاملة قادرة على استقطاب الشركات العالمية وربطها بشبكات التجارة الإقليمية والدولية، في إطار رهان أوسع يجعل من البحر الأحمر أحد أهم محاور التجارة والخدمات اللوجستية في المنطقة.

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الصين توسّع شراكاتها التجارية مع أكثر من 160 دولة ومنطقة.

أعلنت الهيئة العامة للجمارك الصينية أن بكين أصبحت شريكاً تجارياً رئيسياً لأكثر من 160 دولة ومنطقة حول العالم، مع مواصلة توسيع وارداتها وتنويع مصادر السلع، ...