بقلم: جمعان علي العمير
في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وصارت القيم تُقاس بميزانٍ مقلوب، نكتشف أن الوفاء لم يعد فضيلةً تُكرَّم، بل تهمةً تُلاحَق، وأن الثبات على المبدأ لم يعد شرفاً يُرفع الرأس به، بل عبئاً يُراد التخلص منه. نعيش مرحلةً غريبةً تُستبعد فيها القامات التي بنت، ويُستقبل فيها من لا يعرفون حتى أبواب المؤسسات التي يدخلونها. مرحلةٌ تُكافأ فيها الطاعة العمياء، وتُعاقَب فيها المواقف الصادقة. مرحلةٌ تُقصى فيها الخبرة، ويُستورد فيها الوهم، وكأنّ الوطن يحتاج إلى واجهات لا إلى رجال.
في هذا الزمن الملتبس، يصبح من الضروري أن يُقال الكلام بصوتٍ عالٍ، وأن تُكشف الحقائق كما هي، وأن يُكتب ما يجب أن يُكتب؛ لأن السكوت لم يعد حكمة، بل صار مشاركةً في الهدم. وما يحدث اليوم داخل بعض المؤسسات ليس مجرد خللٍ إداري، بل انحرافٌ عن معنى الدولة، وعن معنى الانتماء، وعن معنى أن يكون الرجل في مكانه؛ لأنه يستحق، لا لأنه يطيع.
المؤسسات لا تُبنى على الجدران، ولا على المكاتب، ولا على الشعارات المعلّقة، بل تُبنى على الرجال الذين يعرفون الطريق، الذين مرّوا في النار وخرجوا منها أصلب، الذين حملوا مسؤولياتهم في الأيام التي كان فيها الوقوف موقفاً، والصمت خيانة، والحياد سقوطاً.
ومع ذلك، نرى اليوم بعض المؤسسات تتخلّى عن كوادرها الثورية بحجة صعوبة التعامل معها، وكأنّ القوة أصبحت تهمة، والصدق أصبح عبئاً، والوفاء أصبح مشكلةً يجب التخلص منها. إنّ استغناء هذه المؤسسات عن رجالها الحقيقيين ليس قراراً إدارياً بريئاً، بل هو قرار يكشف خوفاً عميقاً من أصحاب المواقف، من أولئك الذين لا يجاملون، ولا يساومون، ولا يبدّلون الحق بالسكوت. أولئك الذين وقفوا في أصعب اللحظات، وحملوا على أكتافهم ما لم تستطع أنظمةٌ كاملة أن تحمله. أولئك الذين يعرفون الأرض وأهلها، ويعرفون معنى أن تُبنى مؤسسة على العرق والدم والوفاء، لا على المجاملات والولاءات الطارئة.
لكن بعض المؤسسات اختارت الطريق الأسهل، طريق التخلص من الأصوات الصادقة، واستبدالها بكوادر قادمة من الخارج، كوادر لا تعرف تاريخ المكان، ولا وجعه، ولا ذاكرة ترابه. كوادر تُبنى حولها مؤسسات تشبه البيوت المصنوعة من الزجاج، جميلة في الصورة، لكنها تتشقق عند أول هزة، وتنهار عند أول اختبار.
المؤسسة التي تخاف من الكادر الثوري ليست مؤسسة، إنها مبنى إداري يبحث عن موظفين مطيعين، لا رجال مواقف. يبحث عن أوراق صامتة، لا عن أصوات تحمل الحقيقة. يبحث عن من يصفّق، لا عن من يصحّح، وعن من يمرّر الأخطاء، لا عن من يواجهها. وهنا تكمن الكارثة، حين يصبح معيار النجاح هو الطاعة، لا الكفاءة، وحين يصبح معيار الثقة هو الصمت، لا الخبرة، وحين تُقصى الكوادر التي بنت، ليحلّ مكانها من لم يعرف حتى الطريق إلى البناء.
الكوادر القادمة من الخارج قد تحمل شهادات وخبرات، لكنها لا تحمل جذوراً، ولا تحمل ذاكرة المكان، ولا تحمل ارتباطاً بالأرض. والمؤسسة التي تُبنى على كوادر بلا جذور هي مؤسسة بلا عمود فقري، والمؤسسة بلا عمود فقري تنهار عند أول هزة.
المظلوم اليوم ليس فرداً، بل فكرة. فكرة الانتماء، فكرة الوفاء، فكرة أن يبقى الرجل في مكانه؛ لأنه يستحق، لا لأنه يرضي. فكرة أن تُحترم التجارب، وأن تُقدَّر التضحيات، وأن يُفهم أن الكادر الثوري ليس مشكلة، بل ضمانة.
أما الظالم، فهو كل قرار يُتخذ لإسكات صوت صادق، أو لإبعاد رجل حمل المؤسسة على كتفيه، أو لاستبدال خبرة حقيقية بواجهة براقة لا تصمد أمام الرياح.
التاريخ لا يرحم المؤسسات التي تفرّط برجالها، لا يرحم من يطرد الخبرة ليستقبل المجاملة، لا يرحم من يختار الضعف على القوة، والهواء على الجذور، والواجهة على الحقيقة. وما يحدث اليوم ليس مجرد خطأ إداري، بل خطيئة بحق مستقبل المؤسسات.
إنّ استغناء بعض المؤسسات عن كوادرها الثورية بحجة صعوبة التعامل معها ليس سوى محاولة للهروب من الحقيقة، الحقيقة التي تقول إنّ المؤسسات تُبنى بالرجال الذين يعرفون الأرض، لا بالوجوه التي تهبط عليها بالمظلات، وإنّ استبدال هؤلاء بكوادر قادمة من الخارج لن يصنع مؤسسة قوية، بل مؤسسة هشة تنهار عند أول هزة، وتنكشف عند أول اختبار.
المظلوم اليوم يجب أن يرفع رأسه، والظالم يجب أن يعرف أن التاريخ يُكتب الآن، وأنه لن يُكتب لصالحه وأنّ المؤسسات التي تتخلّى عن رجالها الحقيقيين إنما تتخلّى عن نفسها قبل كل شيء
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

