د. سحر أحمد علي
قد يتعرض أحدنا لسقوطٍ مفاجئ أثناء سيره، حتى وهو يمشي على رصيفٍ مخصصٍ للمشاة، ظنًّا منه أنه ابتعد عن مخاطر السيارات ووجد مكانًا آمنًا.
كانت تمشي مطمئنةً، واثقة الخطى، تشعر براحةٍ لم تعهدها بعد أن اشترت أخيرًا حذاءً طبيًا مريحًا. كانت تسير وكأنها تملك أرصفة المدينة كلها، إلى أن باغتتها لحظة لم تكن في الحسبان.
فجأة، علقت مقدمة الحذاء الطبي بإحدى الفجوات بين بلاطات الرصيف، فتعانق الحذاء “الآمن” مع الرصيف “الآمن”، وكانت النتيجة سقوطًا مباغتًا لا يمنح صاحبه فرصة للتفكير أو لتدارك الموقف.
لو شاهد امرؤ القيس تلك الوقعة، لردد بيته الشهير:
“كجلمودِ صخرٍ حطَّه السيلُ من علِ”.
في لحظة، وجدت نفسها ممددة على الرصيف، لا حول لها ولا قوة. غاب وعيها لثوانٍ، وكان الألم باردًا وقاسيًا، حتى إنه شلّ حركتها تمامًا.
وعندما استعادت وعيها تدريجيًا، وجدت حولها جمعًا من الناس قد التفوا لمساعدتها. كان المشهد كاشفًا لوجوهٍ مختلفة من البشر.
فبعضهم لم يرَ في الحادث سوى مادةٍ للسخرية والتندر، فأطلق تعليقاتٍ هزلية وضحكاتٍ جارحة، وكأن الألم الذي تعانيه مجرد مشهدٍ عابر للتسلية. زادت تلك الكلمات من خجلها وأوجاعها، وربما كانت أشد إيلامًا من السقوط نفسه.
وفي المقابل، كان هناك من امتلأت قلوبهم رحمةً وتعاطفًا، فبادروا إليها بكلماتٍ صادقة: “سلامتك… الحمد لله على السلامة… إن شاء الله تكونين بخير، فكلنا معرضون لمثل هذه المواقف.” كانت كلماتهم بلسمًا خفف شيئًا من وطأة الألم.
ثم تعاونوا جميعًا على مساعدتها في النهوض، وجمعوا أغراضها التي تناثرت بعيدًا؛ نظارتها الشمسية التي قذفتها الوقعة لأكثر من مترين، وحقيبتها وما تفرق من محتوياتها. كما عرضوا عليها نقلها إلى أقرب مركز صحي بعد أن تبين لهم أن ركبتها قد أصيبت بجرحٍ عميق، رغم أنها كانت ترتدي بنطالًا.
تماسكت بصعوبة، وأخذت أولى خطواتها مستندةً إلى من حولها، تمشي على امتداد ذلك الرصيف “الآمن”. شكرتهم بامتنان على نبل أخلاقهم، وحسن تعاونهم، ووقوفهم إلى جانبها في لحظة ضعف.
وقالت في نفسها:
لا فرق أحيانًا بين حذاءٍ طبي وحذاءٍ عادي، ولا بين رصيفٍ آمن وشارعٍ مزدحم، إذا غابت الصيانة وغاب الإحساس بالمسؤولية.
وربما لا يصح دائمًا المثل الشعبي القائل: “امشِ الحيط الحيط…”، فقد يسقط عليك الحائط نفسه!
وحتى الرصيف… قد يتحول إلى نزيف.
نسأل الله السلامة في طرقاتنا، وأن يحفظ المارة من أخطارٍ قد لا يتوقعونها، وأن يرزقهم قبل سلامة الطريق، سلامة القلوب.
فليس أخطر من فجوةٍ في الرصيف إلا فجوةٌ في الإنسانية
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

