بقلم: د. سلمان ريا
ليست المشكلة في كثرة الحروب التي يشهدها العالم اليوم، وإنما في الطريقة التي ما زلنا نقرأ بها هذه الحروب.
فنحن نميل، بحكم العادة، إلى التعامل مع أوكرانيا بوصفها أزمة أوروبية، والخليج باعتباره ملفاً شرق أوسطياً، وتايوان باعتبارها شأناً آسيوياً. غير أن هذه المقاربة، على الرغم من وجاهتها الجغرافية، أصبحت عاجزة عن تفسير ما يجري في النظام الدولي.
فالأحداث التي تبدو متباعدة على الخريطة، تتحرك في الواقع داخل معادلة استراتيجية واحدة، وتخضع لتحول تاريخي يتجاوز حدود الأقاليم والدول.
إن العالم لا يشهد اليوم حرباً عالمية ثالثة بالمعنى الذي عرفه القرن العشرون، لكنه يعيش مخاضاً تاريخياً لا يقل عمقاً عن ذلك الذي أعقب الحربين العالميتين. وما يبدو سلسلة من الأزمات المنفصلة ليس سوى تجليات متعددة لسؤال واحد: من سيضع قواعد النظام الدولي في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين؟
هذا هو السؤال الحقيقي، أما الصواريخ، والأساطيل، والعقوبات، والمفاوضات، فليست سوى أدوات للإجابة عنه.
لقد قام النظام الذي نشأ بعد عام 1945 على فكرة بسيطة: حماية طرق التجارة، وضمان حرية الملاحة، واستقرار النظام المالي، ومنع القوى المنافسة من تهديد مركز الهيمنة الأمريكية. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بدا وكأن هذا النموذج قد انتصر نهائياً، حتى شاع الحديث عن “نهاية التاريخ”. لكن التاريخ، كما هي عادته، لم ينتهِ، بل كان يعيد ترتيب أدواته بصمت.
فروسيا لم تعد تقبل بدور القوة الإقليمية المحاصرة، والصين لم تعد تكتفي بدور “مصنع العالم”، والقوى الإقليمية أصبحت تطالب بهوامش استقلال أوسع، بينما أخذت الولايات المتحدة نفسها تعيد تعريف أولوياتها بين أوروبا، والشرق الأوسط، والمحيطين الهندي والهادئ.
لكن التحول الأعمق لا يكمن في تغير اللاعبين، بل في تغير طبيعة القوة نفسها.
في القرن الماضي، كانت الجغرافيا العسكرية هي مركز التفكير الاستراتيجي؛ الأرض تُحتل، والمدن تُحاصر، والجيوش تتقدم. أما اليوم، فإن السيطرة على عقدة بحرية قد تكون أكثر تأثيراً من احتلال عاصمة، وتعطيل مصنع لأشباه الموصلات قد يوازي تدمير قاعدة عسكرية، والقدرة على شلّ شبكة طاقة أو نظام مالي قد تحقق من النتائج ما كانت تحتاج إليه الجيوش في حروب طويلة.
لقد انتقل العالم من جغرافيا الاحتلال إلى جغرافيا الاختناق.
وهنا يكتسب مضيق هرمز معنى يتجاوز النفط، كما تكتسب تايوان أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، وتصبح أوكرانيا أكثر من مجرد حرب على حدود أوروبا. فجميعها عقد استراتيجية في شبكة الاقتصاد العالمي، ومن يملك القدرة على التأثير فيها يملك جزءاً من القدرة على صياغة النظام الدولي المقبل.
ولعل المفارقة الكبرى أن العولمة نفسها، التي بُشّر بها بوصفها نهاية للصراعات، أصبحت اليوم إحدى أهم ساحات الصراع. فالطاقة تحولت إلى أداة ردع، وسلاسل الإمداد إلى وسيلة ضغط، والرقائق الإلكترونية إلى عنصر في ميزان القوة، والممرات البحرية إلى أوراق تفاوض، والذكاء الاصطناعي إلى ميدان جديد للتنافس الاستراتيجي.
لقد أصبح الاقتصاد امتداداً للجغرافيا السياسية، كما أصبحت التكنولوجيا امتداداً للأمن القومي.
ومن هنا، فإن الربط بين أوكرانيا والخليج وتايوان ليس مبنياً على افتراض وجود غرفة عمليات واحدة تدير العالم، وإنما على حقيقة أكثر عمقاً؛ وهي أن جميع هذه الملفات تدور حول السؤال ذاته: من يمتلك القدرة على التحكم في الشرايين التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي؟
ولذلك فإن قراءة كل أزمة بمعزل عن الأخرى أصبحت قراءة ناقصة. فإذا هدأت جبهة الخليج، أمكن لواشنطن أن تعيد تركيز مواردها نحو المحيط الهادئ. وإذا تصاعد التوتر حول تايوان، فإن أسواق المال والطاقة في العالم كله ستتأثر. وإذا طال أمد الحرب في أوكرانيا، فإن انعكاساتها لن تبقى أوروبية، بل ستعيد تشكيل سياسات الدفاع والطاقة والاستثمار على امتداد العالم.
إنها ليست حرباً واحدة، لكنها أيضاً ليست حروباً منفصلة.
ومن هنا أيضاً نفهم لماذا تتجاور المفاوضات مع الاستعدادات العسكرية، ولماذا تُفتح قنوات الحوار في الوقت الذي تتزايد فيه العقوبات، ولماذا تتحدث القوى الكبرى عن السلام وهي تواصل سباق التسلح. فالقضية لم تعد تحقيق نصر عسكري نهائي، بل إدارة ميزان القوة ومنع الخصم من فرض نظامه الخاص.
لقد أصبح الردع يقوم على القدرة على التعطيل أكثر من القدرة على التدمير. وتعطيل الاقتصاد العالمي قد يكون، في الحسابات الاستراتيجية، أكثر تأثيراً من احتلال مدينة أو إسقاط نظام سياسي.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه العالم ليس احتمال اندلاع مواجهة شاملة، بل ترسخ حالة دائمة من عدم اليقين؛ حروب محدودة، وهدن هشة، ومفاوضات لا تنتهي، وأسواق تعيش على وقع التوقعات أكثر مما تستجيب للوقائع، واقتصاد عالمي يزداد هشاشة كلما ازداد ترابطه.
إننا نعيش نهاية مرحلة تاريخية أكثر مما نعيش بداية حرب جديدة.
ولذلك، فإن السؤال الذي سيشغل المؤرخين بعد سنوات لن يكون: من انتصر في أوكرانيا؟ أو من أغلق مضيق هرمز؟ أو ماذا حدث في تايوان؟ بل سيكون سؤالاً أكثر عمقاً: كيف أعادت تلك الأزمات، مجتمعة، تشكيل النظام الدولي، وكيف انتقل العالم، بهدوء وصخب في آن واحد، من عصر الهيمنة المنفردة إلى عصر تتنافس فيه مراكز قوة متعددة على كتابة قواعد المستقبل.
فالتاريخ لا يغيّر اللاعبين أولاً، بل يغيّر قواعد اللعبة. ومن يقرأ الأحداث بعين الأمس، قد يرى ضجيج المعارك، لكنه لن يرى العالم الجديد وهو يولد بين أنقاض النظام القديم.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

