آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » ميادة الحناوي… من أليسار إلى قرطاج، حين يعود الجمال إلى عرشه

ميادة الحناوي… من أليسار إلى قرطاج، حين يعود الجمال إلى عرشه

 

علي نفنوف

دبي

 

هناك فنانون يكبرون في العمر، وهناك فنانون يكبرون في الذاكرة.

 

وميادة الحناوي من أولئك الذين لا يمكن أن نحسب أعمارهم بعدد السنوات؛ لأن بعض الأصوات لا تعيش في الزمن الذي وُلدت فيه، وإنما تعيش في وجدان الناس.

 

ولذلك، حين رأيتها تعود إلى المسرح، لم أفكر في عمرها، ولم أبحث عن صوت ميادة التي عرفناها قبل عقود، بقدر ما رأيت امرأة تقول لنا، من فوق الخشبة، إن الإنسان لا ينبغي أن ينسحب من الحياة لمجرد أن الزمن مرّ بجسده.

 

ثمة أصوات لا نستطيع أن نسمعها بأذننا فقط.

 

هنا، في دبي، تجد الأبراج الشاهقة والأبنية المرتفعة، لكن ما كان أكثر علوًّا وفخرًا هو صوت الفنانة ميادة الحناوي في مهرجان قرطاج.

 

وربما أكون من أصحاب الشهادة المجروحة في حق الفنانة ميادة، لأنني من المعجبين بها؛ ليس إعجابًا عابرًا أو عاديًا، وإنما إعجاب عن قناعة فكرية واعية. أعرف ما هي رسالة الفن، وما هي رسالة الفنان، لا سيما أنني أيضًا فنان تشكيلي، وأتقاطع معها في هذه الرسالة، رغم تفوقها في مجالها وتميزها الكبير.

 

لذلك نسمع ميادة بشيء أعمق في داخلنا؛ بالذاكرة، وبالأماكن التي غادرناها، وبوجوه الذين أحببناهم، وبسنوات لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا جزءًا من تاريخنا.

 

ميادة الحناوي واحدة من هذه الأصوات.

 

وأنا أتابع عودتها إلى مسرح قرطاج، تلك الأميرة الفينيقية التي أعادت للمكان مجده الجميل، لم أستطع أن أراها كفنانة صعدت إلى المسرح في ليلة من ليالي المهرجان فحسب. رأيت تاريخًا طويلًا يصعد معها؛ من حلب إلى القاهرة، ومن محمد عبد الوهاب إلى بليغ حمدي، ومن الأغنية الطويلة التي كانت تمنح المستمع وقتًا كي يعيشها، إلى زمن أصبحت فيه الأغنية تُستهلك قبل أن نحفظ اسمها.

 

ولدت ميادة في حلب عام 1959، وبدأت قصتها الفنية مبكرًا، وكان اللقاء بمحمد عبد الوهاب في مصيف بلودان من المحطات المفصلية في حياتها. عبد الوهاب لم يسمع صوتًا عابرًا؛ رأى مشروع مطربة، ودعاها إلى القاهرة، حيث بدأت رحلة طويلة مع الموسيقى العربية.

 

ثم جاءت السنوات التي صنعت اسمها الحقيقي.

 

وهنا لا يمكن أن نتحدث عن ميادة من دون أن نتوقف طويلًا عند بليغ حمدي.

 

كان بليغ يعرف كيف يأخذ الصوت إلى مكان آخر، وميادة كانت تمتلك خامة تسمح له بذلك. التقيا في مساحة نادرة بين قوة الصوت وحرارة التعبير، فكانت «أنا بعشقك»، و«الحب اللي كان»، و«سيدي أنا»، و«أنا أعمل إيه»، وغيرها من الأعمال التي نقلت ميادة من خانة المطربة ذات الصوت القوي إلى واحدة من أبرز نجمات الطرب العربي.

 

وتؤكد مصادر عدة أن مرحلة بليغ كانت الأهم في انتشارها الواسع عربيًا، وصولًا إلى الحفلات أمام الجاليات العربية في أوروبا وأميركا.

 

لكن اختزال ميادة في بليغ ظلم لها أيضًا.

 

فهي لم تتوقف عند تجربة واحدة.

 

غنت لأسماء كبيرة من الملحنين العرب، من محمد الموجي ومحمد سلطان إلى حلمي بكر وسيد مكاوي وفاروق سلامة، ثم دخلت، بعد رحيل بليغ، مرحلة جديدة من حياتها الفنية، تعاونت فيها مع أسماء من أجيال مختلفة، وغيّرت شكل الأغنية التي تقدمها.

 

وهنا أحب ميادة أكثر.

 

لأن الفنان الحقيقي لا يعيش على نجاح واحد.

 

الفنان الحقيقي يعرف أن عليه أن يتغير كي لا يتحول إلى متحف.

 

بعد بليغ، جاءت «غيرت حياتي»، ثم «أنا مخلصالك»، و«مهما يحاولوا يطفوا الشمس»، و«أنا مغرمة بيك»، وغيرها من التجارب التي حاولت من خلالها أن تخرج من القالب الذي أحبها الجمهور فيه، من دون أن تتخلى عن شخصيتها الغنائية.

 

حتى تقنيًا، كانت لها محطات لافتة في تاريخ الأغنية العربية؛ فقد وُصفت بأنها من أوائل المطربات العربيات اللواتي استخدمن تقنية التسجيل متعدد المسارات، كما ارتبط اسمها بمرحلة الانتقال إلى أسطوانات الليزر.

 

لكن ما يهمني أكثر من كل هذه التفاصيل التقنية هو سؤال آخر:

 

ماذا تركت ميادة في الأغنية العربية؟

 

أعتقد أنها تركت نموذجًا للمطربة التي لم تتعامل مع الغناء على أنه استعراض للصوت.

 

كان صوتها يحتاج إلى لحن.

 

واللحن يحتاج إلى مساحة.

 

والكلمة تحتاج إلى زمن.

 

وهذا كله أصبح اليوم نادرًا.

 

الأغنية التي غنتها ميادة لم تكن دائمًا تريد أن تنتهي بسرعة.

 

كانت تريد أن تأخذك معها.

 

أن تصعد بك قليلًا، ثم تهبط، ثم تعود إلى الجملة نفسها وقد تغير معناها.

 

وهذه هي روح الطرب.

 

أن لا تكون المستمع، بعد انتهاء الأغنية، هو الشخص نفسه الذي كان قبلها.

 

ومن هنا أفهم أهمية ميادة في الأغنية السورية والعربية.

 

هي سورية الأصل، لكن مشروعها الفني تجاوز الحدود السورية منذ وقت مبكر. عاشت معظم مسيرتها في مصر، وتعاونت مع أسماء صنعت تاريخ الموسيقى العربية، ثم عادت تحمل معها إلى الوجدان العربي صوتًا له جذوره السورية وشخصيته العربية الواسعة.

 

وتوجد في أرشيف الأغنية السورية أعمال وطنية لها، مثل «يا شام» و«دمشق يا جبهة المجد»، إلى جانب «بيروت يا عروس الشرق».

 

وهذا أمر مهم بالنسبة لي.

 

لأن الفنان السوري الذي يعبر إلى العالم العربي لا يفقد سوريته.

 

بالعكس.

 

كلما اتسعت دائرته، اتسعت معه صورة المكان الذي جاء منه.

 

وميادة كانت واحدة من تلك الصور الجميلة.

 

ثم جاءت قرطاج…

 

وهنا بدأت المشكلة.

 

لم يناقش البعض تاريخ الفنانة.

 

ناقشوا عمرها… وتعب السفر.

 

ناقشوا صوتها كما لو أنهم فوجئوا بأن الزمن مرّ عليها.

 

وهنا أجد نفسي مضطرًا إلى قول شيء ربما يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمس جوهر علاقتنا بالفن:

 

العمر ليس تهمة.

 

لماذا نتعامل مع عمر الفنان وكأنه خطأ ارتكبه؟

 

لماذا نسمح للممثل أن يكبر، وللشاعر أن يشيخ، وللفنان التشكيلي أن تتغير يده، ثم نطالب المغني بأن يحتفظ بصوته في النقطة نفسها التي كان عليها وهو شاب؟

 

الجسد يتغير.

 

هذه ليست قضية فنية.

 

هذه طبيعة الحياة.

 

لكن ما لا يتغير بالضرورة هو الرغبة.

 

الرغبة في الوقوف.

 

الرغبة في الغناء.

 

الرغبة في أن تقول للناس: ما زال لدي شيء أقدمه.

 

وهذه الرغبة عند الفنان الكبير أثمن عندي من محاولة مصطنعة لإخفاء العمر.

 

أنا لا أريد ميادة أن تكون نسخة من ميادة التي عرفناها في الثمانينيات.

 

أريدها أن تكون ميادة اليوم.

 

بصوت اليوم.

 

وبملامح اليوم.

 

وبأحاسيسها التي تزهر وتورق أبدًا.

 

وبتجربة امرأة حملت سنوات طويلة من الحياة داخلها.

 

فحين تغني امرأة في هذا العمر، لا ينبغي أن نسمع حنجرتها فقط.

 

ينبغي أن نصغي إلى الزمن أيضًا.

 

أن نسمع الأشياء التي مرت بها.

 

الأحلام التي كبرت معها.

 

الخسارات.

 

الانتظار.

 

الغياب.

 

والفرح الذي لم يستطع الزمن أن ينتزعه منها.

 

وهنا تحديدًا أجد في ظهورها على المسرح موقفًا يستحق الاحترام.

 

كان بإمكانها أن تختار البيت، أن تعيش على أرشيفها، وأن تترك للناس صورة قديمة لها، وتقول: كانت تلك أجمل أيامي.

 

لكنها لم تفعل.

 

خرجت.

 

وقفت أمام الجمهور.

 

وقبلت أن تُرى كما هي الآن.

 

وهذه شجاعة لا أستهين بها.

 

المشكلة ليست في ميادة وحدها

 

المشكلة، في رأيي، أوسع من ميادة.

 

المشكلة في علاقتنا بالفن اليوم، وفي انحدار مستوى الوعي الجمعي بعد صعود ثقافة التفاهة.

 

هناك فن يحتاج إلى أذن.

 

وهناك فن يحتاج إلى ضجيج.

 

هناك أغنية تولد من شاعر وملحن ومطرب وفرقة موسيقية، ثم تعيش سنوات.

 

وهناك أغنية تولد من رغبة في الانتشار، وتنتهي عندما ينتهي تداولها.

 

لا أريد أن أكون وصيًا على أذواق الناس.

 

كل إنسان حر في أن يسمع ما يحب.

 

لكن الحرية في الذوق لا تعني أن نتخلى عن الأصول.

 

فالتهافت نحو الهبوط، والرهان على الأسهل والأسرع والأكثر إثارة للغرائز، يحدث أحيانًا لأن السوق لا يحتاج دائمًا إلى الجمال كي يربح.

 

وهنا تبدأ صناعة التفاهة.

 

التفاهة لم تعد حادثة.

 

أصبحت صناعة.

 

لها منصات.

 

ولها خوارزميات.

 

ولها جمهور.

 

ولها نجوم.

 

وأحيانًا يصبح الفنان الجاد في حاجة إلى أن يصرخ كي يُسمع، بينما يكفي للفنان الهابط أن يثير الجدل كي يحتل الشاشات.

 

وهنا أشعر بالقلق على الفن العربي.

 

ليس لأن الجديد سيئ بالضرورة.

 

الجديد ضرورة.

 

لكن المشكلة حين يصبح الجديد مرادفًا للسطحي.

 

حين يصبح الانتشار أهم من القيمة.

 

وحين تتحول الأغنية إلى سلعة سريعة لا تترك وراءها شيئًا.

 

في هذا المشهد، تصبح ميادة أكثر من مجرد مطربة قديمة.

 

تصبح تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يعيش لعقود.

 

أن الأغنية تستطيع أن تتجاوز أصحابها.

 

أن اللحن الجيد لا يحتاج إلى أن يركض خلف الجمهور.

 

وأن الفنان يستطيع أن يبني مكانته بالعمل، لا بالضجيج.

 

النقد حق… والشماتة ليست نقدًا

 

لهذا لا أفهم بعض القسوة غير المبررة التي قوبل بها ظهور ميادة في قرطاج.

 

إذا كان الأداء قد أثار ملاحظات فنية، فليكن.

 

النقد الموسيقي ضروري.

 

لكن لماذا يتحول النقد إلى شماتة؟

 

لماذا لا نملك القدرة على أن نقول:

 

نعم، تغير الصوت.

 

لكننا ما زلنا أمام واحدة من أهم مطرباتنا؛ جمالًا وإحساسًا وثقافةً.

 

نعم، الزمن ترك أثره.

 

لكن التاريخ لم يتركها.

 

نعم، ميادة ليست ميادة الأمس.

 

إنها ميادة الأجمل.

 

ومن قال إنها مطالبة بأن تكون غير ذلك؟

 

أنا أريد أن أرفع لها القبعة لأنها لم تخف من ميادة اليوم.

 

وهذا عندي أجمل من كل محاولات التجميل.

 

فالفنان الذي يختبئ وراء صورته القديمة يعيش في الماضي.

 

أما الفنان الذي يخرج إلى المسرح رغم معرفته بأن الزمن تغير، فهو يقول إنه لا يزال يريد الحياة.

 

وهذا ما رأيته في ميادة.

 

رأيت رغبة في العطاء.

 

ورغبة في إثبات الوجود.

 

ولست بحاجة إلى أكثر من ذلك كي أحترم الفنان.

 

ربما لهذا أتمنى أن نتعلم منها شيئًا:

 

أن لا نضع الأشخاص في خزائن العمر.

 

أن لا نقول للفنان: انتهى دورك لأن وجهك تغير.

 

أن لا نقيس قيمة الإنسان بما بقي له من الشباب.

 

الحياة ليست مسابقة جمال.

 

والفن ليس امتحانًا للزمن.

 

قد تتغير الطبقة الصوتية، لكن يمكن أن يبقى المعنى.

 

قد تخفت النبرة، لكن يمكن أن يزداد العمق.

 

قد لا يستطيع الجسد أن يفعل ما كان يفعله قبل ثلاثين عامًا، لكن الروح قد تكون أكثر قدرة على القول.

 

وهذا هو جوهر المسألة.

 

أنا لا أدافع عن ميادة لأنها سورية فقط.

 

ولا لأنها صاحبة تاريخ كبير فقط.

 

ولا لأنني أحب أغانيها.

 

أدافع عنها لأنني أرى في حضورها اليوم معنى إنسانيًا يتجاوز الغناء، ومعنى وطنيًا يتجاوز الحدود.

 

امرأة رفضت أن تقول للعمر: انتصرت.

 

خرجت إلى الضوء.

 

وقفت.

 

وغنت.

 

وتركت لنا حرية أن نحب أو نختلف.

 

وهذا حقها.

 

وأنا، كفنان تشكيلي وشاعر، أعرف معنى أن يستمر الإنسان في محاولة خلق الجمال رغم كل ما يفعله الزمن.

 

أعرف أن اللوحة لا تسأل يد الفنان عن عمرها.

 

والقصيدة لا تطلب من الشاعر شهادة شباب.

 

والأغنية أيضًا لا ينبغي أن تفعل.

 

لذلك سأحتفظ بميادة الحناوي في المكان الذي أراها فيه:

 

امرأة سورية جميلة حملت صوتها الفينيقي إلى العالم العربي، وعاشت جزءًا مهمًا من تاريخ الأغنية، ووقفت إلى جانب أسماء كبيرة في صناعة الطرب، ثم عادت اليوم لتقول لنا شيئًا بسيطًا جدًا:

 

أنا لم أنتهِ بعد.

 

أغنّي…

 

لذلك أقول لها:

 

غنّي.

 

غنّي لأن الحاضر يحتاج أحيانًا إلى شيء من الجمال الذي افتقده.

 

غنّي لأن هناك من لا يزال يعرف الفرق بين الأغنية والضجيج.

 

غنّي لأن صوتك، حتى وهو يحمل أسرار السنوات، يحمل أيضًا ذاكرة أجيال.

 

وغنّي لأنني أؤمن أن الجمال لا ينبغي أن يُحال إلى التقاعد.

 

الجمال يمكن أن يزهر في أي بقعة من الأرض، وفي أي عمر، وفي أي وقت.

 

وميادة، حين خرجت من بيتها إلى قرطاج، لم تكن تحاول فقط أن تستعيد الماضي؛ كانت تقول شيئًا أعمق:

 

ما زلت أملك رغبة في أن أزهر.

 

وهذا، في زمن صناعة التفاهة، ليس تفصيلًا صغيرًا.

 

إنه موقف.

 

كل الحب والتحية للأيقونة السورية ميادة الحناوي.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكرة الثقافية في سوريا ليوم السبت الـ 8 من آب 2026

  المفكرة الثقافية 1 المفكرة الثقافية في سوريا ليوم السبت الـ 8 من آب 2026 دمشق: 1 – محاضرة بعنوان (الحضارة الإسلامية والعربية)، يقدمها الأستاذ ...