بقلم: علي نفنوف
دبي
لطالما وقفتُ أمام الضوء كما يقف الإنسان أمام سرّ لا يريد أن ينكشف كله.
أراه على سطح الماء، يتكسر، يتشظى، يتغير، ثم يعود في لحظة أخرى أكثر اتساعاً. أراه في نافذة قديمة حين يدخل منها الصباح خجولاً، وفي وجه إنسان حين تلامسه شمس الغروب فتمنحه ملامح لم تكن ظاهرة قبل لحظة. أراه على شجرة، فيكشف تجاعيدها، وعلى جدار، فيفضح ما خبأه الطلاء، وفي اللوحة حين يخرج اللون من عتمته وكأنه كان ينتظر الضوء كي يولد.
ولأنني أرسم، فقد تعلمت أن الأشياء ليست دائماً ما تبدو عليه.
تعلمت أن اللون وحده لا يكفي، وأن أجمل الأزرق قد يموت إذا لم يجد ظلاً يجاوره، وأن الأحمر نفسه يمكن أن يكون ناراً أو جرحاً أو غروباً بحسب الضوء الذي يلامسه.
ثم بدأت أسأل نفسي، وأنا أمام اللوحة:
هل أنا أرسم الضوء؟
أم أرسم أثره؟
وهل الضوء هو النور؟
أم أننا، في اللغة، جمعنا كلمتين في معنى واحد، بينما بينهما مسافة تشبه المسافة بين العين والقلب، وبين أن ترى الشيء وأن تفهمه؟
هذا السؤال لم يبدأ معي، بالطبع.
لقد عاش مع الإنسان منذ أن رفع رأسه إلى الشمس، ومنذ أن خرج من الكهف يبحث عن الحقيقة، ومنذ أن حاول الفلاسفة أن يعرفوا ما الذي يجعل الإنسان يرى، لا بعينيه فقط، وإنما بعقله ووعيه.
في الفيزياء، الضوء شيء يمكن دراسته وقياسه. هو إشعاع كهرومغناطيسي له طاقة وتردد وطول موجي، وينعكس وينكسر ويمتص.
أما النور، فقد حمل عبر تاريخ الفكر معنى أكثر اتساعاً من الظاهرة البصرية. أصبح علامة على المعرفة، والكشف، والحقيقة، والوعي، والهداية، وأحياناً على الوجود نفسه.
ولهذا ربما كان السؤال أعمق مما يبدو:
هل نحتاج إلى الضوء لكي نرى، أم نحتاج إلى النور لكي نفهم ما رأيناه؟
⸻
أفلاطون… حين خرج الإنسان من الكهف
في أسطورة الكهف عند أفلاطون، لا يكون الظلام مجرد غياب للشمس.
الإنسان هناك يعيش بين ظلال يظنها الحقيقة.
يرى صوراً على جدار، فيعتقد أن العالم كله هو تلك الصور، ثم تأتي لحظة الخروج. فيواجه الضوء، ويتألم من شدته، لأن العين التي اعتادت العتمة لا تستطيع أن تتقبل الحقيقة دفعة واحدة.
وحين يصل إلى الشمس، لا تكون الشمس مجرد جسم مضيء.
إنها في تشبيه أفلاطون مرتبطة بفكرة الخير والحقيقة، وبالشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة.
وهنا تبدأ المسافة الأولى بين الضوء والنور.
فالضوء يكشف الأشياء للعين، لكن النور، بالمعنى الفلسفي، يكشف الحقيقة للعقل.
قد تكون العين مفتوحة ولا ترى.
وقد يكون النهار في الخارج، بينما الإنسان ما زال يعيش في كهفه الداخلي.
وهذه واحدة من أكثر أفكار أفلاطون التي بقيت حية حتى اليوم؛ لأن الإنسان لم يتخلص من الكهوف، وإنما غيّر جدرانها.
أفلوطين… النور الذي لا ينقص حين يفيض
مع أفلوطين يصبح النور أكثر من استعارة للمعرفة.
في فلسفته، ينطلق الوجود من «الواحد»، وتتدرج الموجودات في صورة تشبه الفيض.
النور هنا صورة للوجود الذي يفيض من مصدره من دون أن يفقد المصدر شيئاً من ذاته.
الشمس لا تصبح أقل شمساً لأنها أضاءت العالم.
ومن هنا كان النور عند أفلوطين قريباً من فكرة الفيض والصدور، ومن علاقة الواحد بالكثرة.
وما يهمني في هذه الفكرة، كفنان، ليس الجانب الفلسفي وحده، وإنما تلك المفارقة الجميلة:
أن تمنح من ذاتك ولا تنقص.
ربما لهذا يشبه الفن النور أحياناً.
الفنان يعطي من داخله، وكلما أعطى أكثر لا يصبح بالضرورة أفقر؛ ربما يصبح أكثر امتلاءً.
أرسطو… من معنى الرؤية إلى كيف تحدث
ثم يأتي أرسطو ليقرب السؤال من الطبيعة.
في كتابه «في النفس» تناول الإبصار والإدراك الحسي، وحاول أن يفهم كيف تصبح الرؤية ممكنة.
هنا بدأ الإنسان ينتقل من السؤال:
ما معنى النور؟
إلى السؤال:
كيف نرى؟
وهذا التحول مهم.
فالفلسفة بدأت تسأل عن المعنى، والعلم سيأتي لاحقاً ليسأل عن الظاهرة.
وبين السؤالين ستتغير علاقتنا بالضوء مرات كثيرة.
السهروردي… عندما أصبح النور لغة للوجود
إذا كان أفلاطون قد جعل النور طريقاً إلى الحقيقة، وأفلوطين جعله صورة للفيض، فإن السهروردي ذهب إلى غير ذلك.
في «حكمة الإشراق» أصبح النور جزءاً من بنية فلسفية كاملة.
يتحدث عن نور الأنوار، وعن مراتب النور والظلمة، ويجعل الإشراق والكشف والحضور جزءاً من المعرفة.
هنا لا يعود النور مجرد ضوء قوي.
النور عند السهروردي ليس شيئاً تسقط عليه العين، وإنما مفهوم يتصل بالوجود نفسه وبكيفية حضوره وانكشافه.
ولهذا أجد أن هناك شيئاً مشتركاً، ولو من بعيد، بين السهروردي والفنان.
فاللوحة لا تبدأ حين يظهر اللون على القماش.
هناك شيء يسبق اللون.
هناك لحظة يصبح فيها اللون قابلاً للظهور.
وقد تكون هذه اللحظة هي أقرب ما يمكن أن نصل إليه من معنى الإشراق في الفن.
الغزالي… العين ترى، لكن هل تكفي الرؤية؟
في «مشكاة الأنوار» يأخذ الغزالي النور إلى منطقة أخرى، حيث يلتقي الحس بالعقل والمعرفة.
العين ترى بالضوء.
لكن هل كل من يرى يعرف؟
هذه هي المسألة.
قد يرى الإنسان الحقيقة أمامه، ثم يختار أن يراها شيئاً آخر.
وقد يرى شخصان الشيء نفسه، فيخرج كل واحد منهما منه بمعنى مختلف.
لذلك يصبح النور، في تأمل الغزالي، مرتبطاً بما يتجاوز الرؤية الحسية إلى الإدراك والكشف.
العين تحتاج إلى الضوء.
لكن الإنسان يحتاج إلى شيء آخر لكي يفهم ما يقع عليه الضوء.
وربما لهذا يمكن أن يكون الإنسان مضاءً من الخارج، ومظلماً من الداخل.
وهذه، في رأيي، أقسى أنواع العتمة.
المكزون السنجاري… حين يصبح النور أعمق من العين
لكن النور لم يكن سؤال الفلاسفة وحدهم.
حمله الشعر العربي أيضاً، وحاول أن يذهب به من منطقة الضوء إلى منطقة المعنى.
وفي شعر المكزون السنجاري نجد صورة شديدة الكثافة لهذا الانتقال:
بَصَري أَراني النورَ ناراً وَالضُحى
لَيلاً وَفي جَهَتي مُحيطُ جِهاتي
فَالنُطقُ مِنهُ بِالنِداءِ أَبانَ لي
ما كانَ عَنّي خارِجاً في ذاتي
فَلِذاكَ لَم يَكذِب فُؤادي ما رَأى
إِثباتَهُ مَنفىً صِفاتِ
ثلاثة أبيات، لكنها تفتح باباً واسعاً.
«بصري أراني النور ناراً والضحى ليلاً».
هنا لا يعود البصر مجرد أداة تستقبل العالم؛ إنه يدخل في علاقة مضطربة مع الحقيقة. النور يتحول ناراً، والضحى يتحول ليلاً، وكأن الشاعر يقول إن ما تراه العين ليس بالضرورة آخر ما يمكن أن تراه الذات.
ثم تأتي العبارة الأكثر أهمية:
«أبان لي ما كان عني خارجاً في ذاتي».
فالنور لا يكشف الخارج فقط.
إنه يكشف الإنسان لنفسه.
وهنا يصبح النور أعمق من الضوء.
فالضوء يمكن أن يكشف وجهك في المرآة، أما النور فيكشف لك الوجه الذي تخفيه عن نفسك.
الضوء يكشف الشيء.
أما النور فيكشف دلالته.
الضوء يدخل العين.
أما النور، في هذه الرؤية الشعرية، فيدخل إلى الوعي.
وهنا يلتقي المكزون، من منطقة الشعر، مع سؤال ظل يتردد عند أفلاطون والسهروردي والغزالي: ليست المشكلة دائماً في أن العالم مظلم، وإنما في قدرة الإنسان على رؤية ما يكشفه الضوء.
ابن سينا… من الإحساس إلى الفهم
عند ابن سينا يصبح الإدراك أكثر تركيباً.
فالإنسان لا يتوقف عند الحواس. هناك انتقال من الإحساس إلى الصورة، ومن الصورة إلى الفهم، ومن الفهم إلى العقل.
وهذا الانتقال يهمني كثيراً كفنان.
لأنني حين أرسم شجرة لا أرسم شجرة فقط.
قد أرسم طفولة مرّت من أمامها.
قد أرسم امرأة كانت تنتظر تحتها.
قد أرسم موتاً قديماً في جذعها.
العين ترى شجرة.
لكن الذاكرة ترى شيئاً آخر.
والعقل يمنح الصورة معنى لم يكن موجوداً على سطحها.
هنا لا يعود الرسم مجرد نقل لما تراه العين، وإنما محاولة للوصول إلى ما لا تستطيع العين وحدها أن تراه.
ديكارت… نور العقل
وفي الفلسفة الحديثة، استخدم ديكارت مفهوم النور الطبيعي للعقل.
والمقصود ليس ضوءاً يسقط من السماء، وإنما قدرة العقل على الوصول إلى الوضوح والتمييز.
وهكذا ينتقل النور من الخارج إلى الداخل مرة أخرى.
لم يعد شمساً.
أصبح عقلاً.
مصباحاً لا يضيء الطريق، وإنما يضيء السؤال.
وهذا ربما هو أجمل ما يمكن أن يفعله العقل: ألا يمنحنا الإجابات فقط، وإنما يجعلنا نرى الأسئلة التي لم نكن نعرف أنها موجودة.
نيوتن… حين خرج الضوء من الفلسفة إلى المختبر
ثم جاء نيوتن.
وهنا تغيرت الحكاية.
أخذ الضوء من مساحة التأمل إلى التجربة، ووضع المنشور في طريق الضوء الأبيض، فاكتشف أن هذا البياض الذي يبدو لنا وحدة واحدة يخفي داخله ألوان الطيف.
الضوء الواحد يحمل تعدداً.
وهذه الحقيقة العلمية تفتح للفنان باباً آخر للتأمل.
كم من الأشياء التي نظنها واحدة، وهي في حقيقتها طبقات؟
وكم من إنسان نراه من الخارج فيبدو لنا واضحاً، بينما يسكن داخله طيف كامل من الألوان؟
لكنني لا أريد أن أحوّل تجربة نيوتن إلى استعارة علمية زائفة.
التجربة شيء.
والتأمل الفني شيء آخر.
العلم يصف ما حدث للضوء.
أما الفن فيسأل عما يمكن أن يعنيه ذلك للإنسان.
أينشتاين… حين أصبح الضوء جزءاً من صورة الكون
ثم جاء أينشتاين.
ولم يعد الضوء مجرد ظاهرة من ظواهر الطبيعة يمكن أن ندرسها ونصنفها، وإنما أصبح عنصراً أساسياً في فهم الزمان والمكان ضمن النسبية.
أصبحت سرعة الضوء ثابتاً مركزياً في وصف الكون.
وهكذا كلما عرف العلم عن الضوء أكثر، بدا لنا أن الضوء ليس شيئاً هامشياً في الكون، وإنما جزء من الطريقة التي نفهم بها الكون نفسه.
لكن هنا يجب أن نعرف أين يتوقف العلم وأين يبدأ السؤال الفلسفي.
الفيزياء تستطيع أن تخبرنا كيف ينتشر الضوء.
كيف ينعكس.
كيف ينكسر.
كيف يتفاعل مع المادة.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تجيب عن سؤال آخر:
لماذا صار النور، في تاريخ الإنسان، رمزاً للحقيقة والمعرفة والهداية؟
لأن هذا السؤال لم يعد سؤالاً عن الضوء.
إنه سؤال عن الإنسان.
الضوء ينكسر في الماء… فهل ينكسر النور؟
هنا أعود إلى الماء.
لطالما أحببت هذه الظاهرة لأنها بسيطة أمام العين، لكنها قادرة على فتح سؤال كبير.
عندما ينتقل الضوء من الهواء إلى الماء تتغير سرعته، فيتغير اتجاهه، فنقول إن الضوء ينكسر.
هذه حقيقة فيزيائية.
القلم داخل كأس الماء يبدو منحنياً.
الشعاع يتغير مساره.
والعين ترى شيئاً مختلفاً عما كان يمكن أن تراه خارج الماء.
لكن ماذا لو استبدلنا كلمة الضوء بكلمة النور؟
هل ينكسر النور في الماء؟
إذا كنا نتحدث عن الضوء بوصفه إشعاعاً، نعم، الانكسار حقيقة علمية.
أما إذا كنا نتحدث عن النور بوصفه معنى فلسفياً أو روحياً، فنحن دخلنا منطقة أخرى.
لا توجد زاوية انكسار للمعنى.
ولا طول موجي للوعي.
ولا جهاز يستطيع أن يقيس مقدار الحقيقة في قلب إنسان.
لذلك ربما يكون التعبير الأدق:
الضوء ينكسر في الماء، أما النور فينكشف في الإنسان.
وقد يتغير معنى النور بتغير الإنسان الذي يستقبله، لا بتغير الوسط الفيزيائي الذي يمر فيه.
مونيه… حين لم يعد الضوء تفصيلاً
وهنا أصل إلى كلود مونيه.
لا أستطيع، كفنان تشكيلي، أن أتحدث عن الضوء ثم أتجاوز مونيه.
لأن التشكيلي مونيه لم يتعامل مع الضوء باعتباره شيئاً ثانوياً يقع على الموضوع.
لقد جعل أثر الضوء نفسه موضوعاً للرسم.
عاد إلى كاتدرائية روان مرات كثيرة، ورسمها في أوقات مختلفة، لأن الكاتدرائية التي تقف أمامه لم تكن في عينه هي الكاتدرائية نفسها في الصباح، وفي الضباب، وفي المساء، وفي اختلاف الفصول.
المبنى ثابت.
لكن الضوء متغير.
ومع تغير الضوء تتغير علاقتنا بالشيء.
هنا تكمن واحدة من أهم أفكار الانطباعية.
مونيه لم يكن يقول لنا فقط: «هذه كاتدرائية».
كان يقول:
هكذا رأتها عيني في هذه اللحظة.
وفي «انطباع، شروق الشمس» لم يعد الموضوع هو الشمس وحدها، ولا الميناء وحده، ولا القوارب.
الموضوع هو الانطباع.
هو اللحظة التي مر فيها الضوء أمام العين وترك أثره.
وهذا ما جعل مونيه، في رأيي، أكثر من رسام للمنظر.
كان رساماً للزمن وهو يمر على الأشياء.
كان يرسم الشيء حين يكون الضوء عليه.
الفنان لا يرسم الضوء… يرسم أثره
ربما لهذا السبب أجد نفسي قريباً من هذا السؤال في تجربتي.
أنا لا أرسم الضوء نفسه.
أرسم أثره.
أرسم ما يفعله باللون، وما يفعله بالوجه، وما يفعله بالذاكرة.
حين أضع الأزرق إلى جوار البرتقالي، لا أبحث فقط عن التباين.
أبحث عن علاقة.
وحين أترك مساحة للظل، لا أريد أن أملأ كل شيء بالضوء.
لأن الظل ليس دائماً عدواً للضوء.
أحياناً هو الذي يجعل الضوء مرئياً.
وهذه واحدة من مفارقات الفن:
لا نستطيع أن نرى الضوء من دون أن يكون هناك شيء يقف أمامه.
لذلك لا تكون العتمة دائماً غياباً.
أحياناً تكون خلفية المعنى.
وتحت هذا العنوان تحديداً، أُقيمت فعالية فنية مهمة جداً في مكتبة محمد بن راشد بدبي.
كان عنوان الفعالية: «أن ترسم الضوء كأنك تراه للمرة الأولى»، بأسلوب كلود مونيه، وكان لي شرف المشاركة في هذه الفعالية، وتمكنت من استغلال المناسبة وأن أقص قصة زيزوف، تلك المرأة السورية التي احترقت قريتها ولم تترك غرفتها، وهنا كان النور احتراقاً واكتشافاً ومعرفة، وكان فرصة أيضاً لقول الحقيقة. لذلك أنا هنا شعرت بالفرح لأنني أوصلت الرسالة مرتين: مرة تحدثت عن الضوء والنور، ومرة تحدثت عن قضية إنسانية بلغة الضوء، في أهم صرح ثقافي عالمي.
والشاعر… ماذا يفعل بالنور؟
ربما الشاعر لا يختلف كثيراً عن الرسام.
أنا حين أكتب قصيدة لا أريد دائماً أن أقول الشيء مباشرة.
لو كان المعنى مكتملاً أمامي، لما احتجت إلى القصيدة.
الشعر يبدأ عندما يصبح المعنى أكبر من العبارة.
الكلمة بالنسبة للشاعر تشبه اللون بالنسبة للفنان.
كلاهما يحمل شيئاً يتجاوز نفسه.
الكلمة ليست مجرد كلمة.
واللون ليس مجرد لون.
الأحمر قد يكون دماً.
وقد يكون وردة.
وقد يكون ذاكرة.
والنور قد يكون شمساً في العين، وقد يكون فكرة في العقل، وقد يكون نجاة في قلب إنسان.
وهنا يعود الإنسان إلى مركز الحكاية.
الإنسان… الكائن الذي يستطيع أن يعيش في الضوء ولا يرى
كل ما سبق يعود في النهاية إلى الإنسان.
فهو الكائن الذي اكتشف الضوء، ثم حاول أن يفهمه.
والكائن الذي صنع النار، ثم عبدها.
والذي رأى الشمس، ثم جعل منها رمزاً.
والذي اخترع التلسكوبات ليرى أبعد، والمجاهر ليرى أعمق، ثم ظل عاجزاً أحياناً عن رؤية نفسه.
وهذه ربما هي المفارقة الكبرى.
أن نعرف قوانين الضوء، ولا نعرف كيف نهتدي في داخلنا.
أن نعرف المسافة بين النجوم، ولا نعرف المسافة التي تفصلنا عن ذواتنا.
أن نصل إلى أماكن بعيدة في الكون، ثم نقف عاجزين أمام سؤال صغير في القلب.
الإنسان لا يعاني دائماً من غياب الضوء.
أحياناً يعاني من كثرة الضوء.
كل شيء أمامه واضح، لكنه لا يعرف ماذا يفعل بما يرى.
وهنا يصبح النور شيئاً آخر.
ليس كمية أكبر من الضوء.
وليس ضوءاً أقوى.
إنه قدرة الإنسان على أن يمنح ما يراه معنى.
أما أنا، فأقف بين اللوحة والقصيدة.
أضع لوناً، ثم أتراجع.
أكتب كلمة، ثم أشك فيها.
وأبحث دائما عن ذلك الشيء الذي لا يظهر كاملاً، لكنه يجعل ما حوله قابلاً للرؤية.
وهناك، في المسافة بين الرؤية والسؤال، تبدأ اللوحة.
وتبدأ القصيدة.
ويبدأ الإنسان


(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

