كتب: المهندس حسان نديم حسن
في عام 1977، جمع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ نحو ثلاثين عالمًا وأستاذًا ومسؤولًا عن مؤسسات التعليم والبحث العلمي، لبحث مستقبل التعليم في البلاد، الذي كان يبدو قاتمًا إلى حد بعيد.
كانت الصين آنذاك تضمد جراح عقد كامل من الفوضى التعليمية، حيث أُغلقت الجامعات، وأُلغي امتحان القبول الجامعي، وأصبح الالتحاق بالتعليم العالي خاضعًا للمحسوبية والترشيح السياسي بدلًا من الكفاءة والموهبة. ووصل الإحباط مداه حين اشتكى مسؤول في جامعة تسينغهوا، إحدى أعرق الجامعات الصينية، من هبوط مستوى الطلاب الجدد، إذ غدت الدولة بأكملها تفتقر إلى آلية واضحة لاكتشاف من يستحق التعليم العالي.
*نقطة التحول: «فحص الخامات» وإعادة تأسيس «الغاوكاو»
وسط هذا المناخ المأزوم، وقف أستاذ الكيمياء تشا تشوان تشانغ، الذي كان ممنوعًا من التدريس طوال عقد كامل، ليطلق مقولة غيّرت، في جوهرها، مسار التعليم العالي في الصين، إذ قال:
«إن امتحان القبول في الجامعات يشبه تمامًا فحص الخامات في المصنع؛ فإذا كانت الخامات الداخلة سيئة أو مغشوشة، فمن المستحيل أن يخرج منها منتج جيد. ومشكلتنا ليست في غياب الشباب الموهوب، بل في عجز النظام عن الوصول إليهم».
واستنادًا إلى هذه الرؤية، اقتُرح تنظيم امتحان موحد وشامل للقبول الجامعي، يقيس المستوى التعليمي للطلاب بكفاءة وتجرد، ويضمن لكل شاب فرصة حقيقية للالتحاق بالتعليم العالي واختيار التخصص الذي يطمح إليه.
وقد وافقت القيادة الصينية على إعادة العمل بنظام امتحان القبول الجامعي الوطني، المعروف باسم «الغاوكاو» (Gaokao)، وهو الامتحان السنوي واسع النطاق الذي يشكل البوابة الرئيسية للالتحاق بالجامعات الصينية.
وفي عام 1977، تقدم أكثر من 5.7 ملايين طالب للامتحان، ومع إضافة المتقدمين في عام 1978 قفز العدد إلى نحو 11.6 مليون شخص، في واحدة من أكبر عمليات إعادة بناء منظومة استقطاب المواهب وإرساء أسس المنافسة في التعليم العالي في تاريخ الصين الحديث.
*الجامعة كمحرّك لاقتصاد الدولة
لم تكن عملية استعادة التعليم العالي مجرد إعادة توزيع للشهادات، بل أعادت الصين تعريف وظيفة المؤسسة التعليمية برمتها.
فلم تعد الجامعة مجرد مكان يحصل فيه الطالب على وثيقة تخرج، بل تحولت تدريجيًا إلى حلقة أساسية في المنظومة الاقتصادية والتصنيعية للدولة.
وأصبحت الجامعة جزءًا لا يتجزأ من القدرة الإنتاجية للصين؛ إذ ينتقل الاختراع من المعمل والمختبر إلى الشركة، ثم يتحول إلى منتج يصل إلى السوق، لتعود العوائد المالية فتغذي الأبحاث والتطوير مستقبلًا، في دورة متكاملة تربط المعرفة بالصناعة والاقتصاد.
وهكذا لم يعد البحث العلمي نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل أصبح أحد روافع النمو والتنافسية وبناء القدرات التكنولوجية والصناعية.
*حصاد نصف قرن: إزاحة هارفارد واعتلاء القمة
بعد زهاء نصف قرن من ذلك القرار التاريخي، بدأت النتائج تظهر في مؤشرات البحث العلمي والتكنولوجيا.
ووفقًا للتصنيف المشار إليه في المقال، تمكنت جامعة تشجيانغ (Zhejiang University) الصينية من إزاحة جامعة هارفارد الأمريكية عن صدارة تصنيف نيتشر إندكس (Nature Index) للإنتاج البحثي، في تطور لافت يعكس قوة الصعود الصيني في مجال البحث العلمي.
ولم تكن هذه الطفرة حالة فردية، إذ تكشف قائمة أفضل الجامعات في التصنيف عن حضور صيني قوي ومتزايد، إلى جانب استمرار المؤسسات الأكاديمية الأمريكية في امتلاك عدد من أقوى الجامعات والمراكز البحثية في العالم.
إلا أن صعود المنظومة الأكاديمية والبحثية الصينية جاء بسرعة ونطاق لافتين، وأصبح أحد أبرز التحولات في خريطة التعليم العالي والبحث العلمي عالميًا خلال العقود الأخيرة.
مرآة للواقع العربي: أين تكمن الفجوة؟
يضعنا هذا التحول الصيني أمام أسئلة جوهرية تخص الواقع التعليمي والصناعي في العالم العربي، حيث لا تزال الفجوة قائمة وعميقة بين أروقة الجامعات وميادين الصناعة والإنتاج.
ويمكن تلخيص هذا التحدي في ثلاثة تساؤلات رئيسية:
* هل تكمن المشكلة في قصور إنتاج المعرفة والبحث العلمي الأصيل؟
* أم أن المعرفة تُنتج بالفعل، لكننا نفتقد الحلقة التي تحولها إلى شركات ومنتجات وأسواق قادرة على المنافسة؟
* أم أن العائق الأعمق يتمثل في عدم تقديم التقدير الكافي للعلم والعلماء والكفاءات الجديرة بالدعم والرعاية داخل مجتمعاتنا؟
إن التجربة الصينية تقول لكل أمة تطمح إلى النهوض إن الحجر الأساس لا يبدأ فقط بضخ الأموال في الصروح التعليمية الجميلة، وإنما يبدأ قبل ذلك باكتشاف المواهب، وإتاحة الفرص أمامها، وربط العقل بالمختبر والمعمل والمصنع والسوق.
لم تتقدم الصين لأنها امتلكت معجزة غيبية، بل لأنها آمنت بأن اكتشاف المواهب لا يحتمل المحسوبية، وأن البحث العلمي لا ينبغي أن يبقى معزولًا عن الاقتصاد والإنتاج. فحين تتحول الأبحاث الجامعية إلى ابتكارات ومنتجات وشركات وقيمة مضافة، تصبح الجامعة شريكًا حقيقيًا في بناء القوة الاقتصادية والتكنولوجية للدولة.
وحتى يدرك العالم العربي أن الجامعة ليست مجرد محطة للحصول على شهادة أو وظيفة، بل يمكن أن تكون أحد المحركات الرئيسية للسيادة الاقتصادية والاستقلال المعرفي والتقدم الحضاري، ستظل الفجوة بين المعرفة والإنتاج قائمة، وستبقى الأسئلة الكبرى معلقة بلا إجابات عملية.
إن الدرس الأهم من التجربة الصينية ليس تقليد نموذجها بحذافيره، وإنما فهم المبدأ الذي يقف وراء نجاحها: اكتشاف الموهبة، والاستثمار في الإنسان، واحترام العلم، وربط البحث العلمي بحاجات الاقتصاد والمجتمع، ثم تحويل المعرفة إلى قوة إنتاجية حقيقية
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

