آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » من مؤتمر السلم الأهلي والإخاء الوطني في دمشق: منصة للاعتذار والمصالحة.. وعدالة للمجرمين

من مؤتمر السلم الأهلي والإخاء الوطني في دمشق: منصة للاعتذار والمصالحة.. وعدالة للمجرمين

كتب: د. محمد حبش

 

 

 

كان يومًا رائعًا في «داما روز» بدمشق، حيث التقينا نخبة من أبرز شخصيات السلم الأهلي والإخاء الوطني في سورية؛ رجالًا ونساءً من أهل المحبة والشهامة والرجولة، في لقاء جمع أطيافًا واسعة من المجتمع السوري.

كانت توليفة فريدة صممتها مؤسسة شام لحقوق الإنسان، المنظمة التي أطلقها المرحوم المجاهد حسن عبد العظيم، بمشاركة أكثر من 150 شخصية قيادية، من سياسيين ورجال دين وقادة عشائر وسيدات رائدات، إلى جانب حضور فاعل لوزارات الدولة ومؤسساتها.

وقدمت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل نموذجًا مميزًا للشراكة مع المجتمع المدني، من خلال كوادرها التي أسهمت في إنجاح المؤتمر وتحقيق رسالته وغاياته. كما دعمت وزارة العدل المؤتمر بعدد من الكوادر القضائية، فيما اختارت وزارة الأوقاف الشيخ معاذ سخيطة لإدارة ملف رسالة الدين في نشر المحبة ومواجهة خطاب الكراهية، وقد أجاب بمسؤولية ووضوح عن أسئلة صعبة، بعيدًا عن التبرير والمعاذير، واقترب مباشرة من مواضع الوجع والألم.

وحضرت هيئة العدالة الانتقالية بقوة من خلال رئيس ملف السلم الأهلي، الوزير السابق الدكتور حسن جبران. كما تحدث النائب الدكتور نادر صنوفة عن برنامج «حديث السوريين»، الذي أصبح من أبرز برامج السلم الأهلي في سورية.

وقدم النائب الدكتور علي الجاسم، رئيس مجلس الصلح العام، عرضًا مهمًا عن جهود المجلس، مشيرًا إلى إنجاز نحو مائة ألف وثيقة مصالحة بين السوريين خلال سبع سنوات من العمل.

وكان الحضور الأوروبي والدولي مميزًا أيضًا، إذ تحدثت السيدة كارولينا، ممثلة الاتحاد الأوروبي، عن برامج دعم السلم الأهلي في سورية، وعن حاجة أوروبا إلى سورية آمنة ومستقرة، إلى جانب مشاركة عدد من السفراء.

أما الدور النسائي، فقد حضر بكفاءة من خلال سيدات سوريات من عضوات مجلس الشعب وكوادر العمل المدني، بإشراف جولي خوري. وفي ختام المؤتمر، قدم الأستاذ أيمن عبد النور، والدكتور عادل المحمد، والأستاذة عبير شيخ إبراهيم، ملف مسؤولية المجتمع الدولي في دعم السلم الأهلي في سورية.

ولا بد من ذكر الجنود المجهولين الذين وقفوا وراء نجاح هذا العمل، وفي مقدمتهم مؤسسة شام لحقوق الإنسان ورئيسها المحامي محمد السعدي، والأستاذ محمد حجازي، والأستاذ صفوان مدخنة وزملاؤهم، إلى جانب فريق عمل «الرسالة الإسلامية» الذي بذل جهدًا كبيرًا لإنجاح المؤتمر، ومنهم الدكتور أحمد طعمة، والشيخ أحمد المقداد، وسمير خالدي، وأنس سعد الدين، وخالد الفجر، والشيخ علي الزغوراني، ووائل وتار، والشاعرة صفية الدغيم، وجمعة لهيب، وعمار تباب، وعلي تباب، وكل من أسهم في هذا العمل.

منصة وطنية للاعتذار والمصالحة

ومن أهم الأفكار التي ناقشناها في المؤتمر «المنصة الوطنية للاعتذار والمصالحة».

نتصورها منصة إلكترونية مفتوحة، مخصصة لأولئك الذين لم يكونوا مع الثورة، وكانوا يعملون في النظام السابق في مواقع المسؤولية، ثم وجدوا أنفسهم، بعد التغيير، في مواجهة غضب شعبي شديد، يعانون من التنمر والغمز والهمز واللمز، ومن وصفهم بـ«الفلول».

إنها فرصة لهؤلاء لكي يعودوا إلى الحياة العامة بكرامة واحترام، إذا لم يكونوا قد ارتكبوا جرائم تستوجب المساءلة.

وقد عرف الإسلام هذه المساحة من العودة باسم التوبة والاستبصار والهدى والاستغفار والتبين والرشاد، بينما يسميها الخطاب الشعبي المعاصر أحيانًا «التكويع».

لقد وفر الإسلام منصة الاعتذار بكرامة ورحمة ومحبة، ولم يجعل مجرد الانتماء السابق سببًا لإهدار قيمة الإنسان، بل وضع قاعدة عظيمة في تقدير الكفاءات: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا».

ويمكن أن تعمل هذه المنصة، بإشراف العدالة الانتقالية، على مستويين:

الأول: منصة اعتذار للمخطئين.
وهي فرصة لعودة المخطئ إلى الحياة العامة ونيل الكرامة والاحترام، على أن تكون مخصصة لمن لم يرتكب ما يستوجب المساءلة الجنائية، ولا تتطلب بالضرورة تشريعًا خاصًا ما دامت لا تتضمن إسقاطًا لأي حق أو عقوبة مقررة قانونًا.

والثاني: منصة للأبرياء من أصحاب الخبرات الوطنية.
وهي مخصصة لمن لم يرتكبوا أي خطأ أو جريمة، لكنهم يعانون من التنمر والإقصاء بسبب مواقعهم السابقة. ويمكن أن تكون فرصة لـ«حديث العيون للعيون والقلوب للقلوب»، واستعادة الثقة والاعتراف بالكفاءات الوطنية.

باختصار، إنها منصة تهدف إلى توفير فرصة للحياة بكرامة في الدولة السورية الجديدة، وطي صفحة الماضي، والعمل بأمل من أجل المستقبل.

ومنصة أخرى.. لاعتراف المجرمين

لكن هناك مسارًا مختلفًا تمامًا يتعلق بمن ارتكب جرائم.

هنا نتحدث عن منصة اعتراف المجرمين، وهي مساحة مخصصة لمن يعترف بجرائمه ويطلب العفو من ضحاياه، ضمن إطار العدالة الانتقالية.

وقد طُرحت تجارب دولية في هذا المجال، ومن أبرزها تجربة جنوب أفريقيا، حيث ارتبط الاعتراف بالحقيقة والمصالحة، وأسهمت التجربة في إنهاء مرحلة طويلة من الصراع العنصري.

غير أن فريق القضاة والمحامين المشاركين في المؤتمر أكدوا نقطة قانونية أساسية: هذا النوع من المنصات لا يمكن أن ينجح إلا في ظل قانون رسمي واضح يحدد شروط الاعتراف وآثاره، ويربطه بالعفو كليًا أو جزئيًا، مع توفير الضمانات القانونية اللازمة لحماية المعترفين والضحايا على السواء.

فمن دون إطار قانوني واضح، لن يكون من الواقعي انتظار اعتراف المجرمين بجرائمهم، لأن الاعتراف غير المحمي قانونيًا قد يتحول ببساطة إلى دليل إدانة يُستخدم ضد صاحبه.

وهنا تتضح الفكرة الأساسية: الاعتذار للمخطئ، والإنصاف للبريء، والعدالة للمجرم.

فالسلم الأهلي لا يعني طمس الحقيقة، كما أن العدالة لا تعني الانتقام. وبين الحقيقة والعدالة والمصالحة يمكن لسورية أن تفتح طريقًا جديدًا، يحفظ كرامة الإنسان، وينصف الضحايا، ويمنح المجتمع فرصة حقيقية للعيش المشترك وبناء المستقبل

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مالية طرطوس تبحث مع جمعية معقبي المعاملات تعزيز الانضباط والشفافية وحسن خدمة المواطنين

  في إطار الحرص على تطوير العمل المالي وضبط الأداء الإداري، عقد مدير مالية طرطوس، عبد الحميد خلف، اجتماعاً تنسيقياً موسعاً مع جمعية معقبي المعاملات ...