كتب: المهندس نضال رشيد بكور
إن ميلاد الرسول محمد ﷺ كان إعلانًا عن انفجار معرفي أعاد هيكلة الوعي الإنساني، ونقل العقل البشري من الحالة الوجودية إلى الانضباط الفلسفي.
فبينما كانت الحضارة الرومانية تخضع لعدمية أخلاقية ترهن قيمة الإنسان بطبقته الاجتماعية، وكانت الساسانية الفارسية تقيّد الوعي بطبقية كهنوتية صارمة، شكّل الميلاد النبوي نظامًا جديدًا ألغى هذه النفعية، مؤسسًا لمركزية أخلاقية تُعرّف الإنسان بكرامته المجردة، لا بقبيلته أو ثروته أو مكانته الاجتماعية.
وهذا التحول لم يكن مجرد وعظٍ أخلاقي، بل رافقه تفكيكٌ حاسم للأسطورة وتأسيسٌ لمنهج عقلاني صارم. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يفسّر ظواهر الكون بالخوف والوهم، جاء الفكر المحمدي ليفصل بين المشاعر البشرية والقوانين الكونية؛ ويتجلى ذلك في رفض الرسول ﷺ الصريح لربط خسوف الشمس بوفاة ابنه إبراهيم، حين قال إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته. وكان في ذلك تأكيدٌ على ضرورة الفصل بين الظواهر الطبيعية والتفسيرات الأسطورية، وترسيخٌ لمنهج يقوم على الملاحظة والسببية وعدم الاستسلام للخرافة.
وفي عمق هذه العقلانية، تبلورت ثورة التوحيد بوصفها أداة لتحرير الوعي من الوثنيات الظاهرة والمقنّعة، ومن أشكال التبعية والاستعباد. فقد نقل التوحيد العقل من التشتت بين المتعدد والنسبي إلى الارتباط بالواحد المطلق، فألغى كل أشكال السيادة البشرية المطلقة، وأرسى مبدأ المساواة بين البشر، حتى أصبحوا، في التعبير النبوي البليغ، «كأسنان المشط».
وختامًا، أعاد هذا الميلاد صياغة فلسفة الزمن والتاريخ؛ فمع ختم النبوة انتقلت البشرية من مرحلة الوصاية والانتظار للمعجزات الخارقة، التي ميّزت تصورات كثيرة في الحضارات القديمة، إلى مرحلة الرشد والمسؤولية. حيث أعلن المشروع المحمدي نضج العقل البشري، ليصبح الإنسان فاعلًا ومسؤولًا عن عمارة الأرض وإقامة العدل، مسترشدًا ببنية الوحي الأخلاقية، ومستعملًا أدواته العقلية الحرة.
وهكذا بقي هذا الميلاد، عبر التاريخ، حدثًا غيّر نظرة الإنسان إلى ذاته وموقعه في الكون، وأعاد تعريفه بوصفه كائنًا مسؤولًا عن خياراته، ومكلّفًا بعمارة الأرض وصناعة مستقبلها في إطار من الحرية والعدل والكرامة الإنسانية.
كل عام وأنتم وأسركم بألف خير، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
