د. سلمان ريا
ربما لم تعد المسألة اليوم ما إذا كانت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» قد ربحت جولة أو خسرتها، بل ما إذا كان الزمن الذي صنعها بوصفها قوة عسكرية وجغرافية ذات وزن سياسي مستقل قد وصل إلى نهايته.
ظهرت قسد في ظروف استثنائية: حرب مفتوحة، تراجع سلطة الدولة في مناطق واسعة، صعود تنظيم «داعش»، وتدخلات دولية وإقليمية متشابكة. وفي مثل هذه الظروف تستطيع قوة محلية أن تكتسب وزناً يتجاوز حجمها، لأن الجغرافيا والسلاح والموارد تتحول إلى أوراق سياسية.
وهذا ما حدث إلى حد كبير. فقد امتلكت قسد خلال سنوات الحرب ما جعلها طرفاً يصعب تجاوزه: قوة عسكرية، مساحة جغرافية، موارد اقتصادية، ودعماً دولياً. ولذلك لم تكن مجرد طرف في الحرب، بل أصبحت جزءاً من معادلة التوازن السوري والإقليمي.
لكن القوة التي تولد من ظرف استثنائي تواجه امتحاناً مختلفاً عندما يبدأ الظرف نفسه بالانتهاء.
فعندما تعود الدولة إلى ممارسة سيادتها على الجغرافيا، وتنتقل الموارد تدريجياً إلى الإطار الوطني، ويصبح القرار العسكري موحداً، تفقد القوة المحلية جزءاً أساسياً من قدرتها على التفاوض. وهنا لا يعود السؤال عن عدد المقاتلين أو حجم السلاح، بل عن الشروط التي تجعل القوة مؤثرة أصلاً.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يجري يمكن أن يُفهم باعتباره أكثر من عملية دمج أو إعادة ترتيب. إنه انتقال من نموذج كانت فيه القوة تستند إلى الجغرافيا والسلاح والموارد، إلى نموذج تكون فيه القيمة السياسية مرتبطة بالمؤسسات والتمثيل والحقوق والمشاركة.
وهذا لا يعني نهاية الأكراد، ولا نهاية قضيتهم، ولا حتى بالضرورة اختفاء كل القوى والشخصيات التي نشأت في إطار قسد. لكنه يعني أن النموذج الذي عرفناه خلال سنوات الحرب قد يصبح جزءاً من الماضي.
وقد كنت أصف القيادات الكردية منذ بداية الأزمة بأنهم «الحصان الأسود» في هذا السباق؛ قوة لا يستطيع أحد تجاهلها، تستطيع أن تغيّر مسار المنافسة وتستنزف الآخرين، لكنها لا تملك بالضرورة الظروف التي تمكنها من الوصول إلى خط النهاية. وربما كان هذا الوصف أقرب إلى الواقع مما بدا في حينه.
فالأكراد استطاعوا بالفعل أن يصبحوا رقماً صعباً في المعادلة السورية، لكن ذلك لم يتحول إلى تسوية سياسية نهائية تمنح نموذجهم العسكري والجغرافي قابلية الاستمرار.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين: انتهاء نموذج سياسي ـ عسكري، وبقاء مجتمع وحقوق وتطلعات.
الأكراد كانوا موجودين قبل قسد، وسيبقون بعدها. ومستقبلهم لا ينبغي أن يقاس بقدرتهم على الاحتفاظ بقوة عسكرية مستقلة، بل بقدرتهم على تحويل ما راكموه من تجربة سياسية واجتماعية إلى حقوق ثابتة داخل الدولة السورية.
وفي المقابل، فإن نجاح الدولة في استعادة سيادتها لا ينبغي أن يعني إلغاء الخصوصية الثقافية أو السياسية لأي مكوّن. فالدولة القوية ليست التي تجعل مواطنيها متشابهين، وإنما التي تجعل اختلافهم غير مهدد لوحدتها.
لذلك فإن المرحلة المقبلة قد تكون اختباراً للطرفين معاً: هل تستطيع الدولة أن تستعيد وحدة القرار والسيادة من دون إقصاء؟ وهل يستطيع الأكراد الانتقال من منطق القوة التي تحمي وجودها بالجغرافيا والسلاح إلى منطق السياسة والحقوق والمواطنة؟
إذا نجح الطرفان في ذلك، فإن انتهاء نموذج قسد لن يكون هزيمة لشعب، بل نهاية لمرحلة فرضتها الحرب.
أما إذا بقيت أسباب الخوف وانعدام الثقة قائمة، فإن انتهاء تجربة قد لا يعني انتهاء المشكلة؛ فقد تبحث المشكلة، كما يفعل التاريخ دائماً، عن شكل جديد.
لهذا ربما يكون الأدق أن ننظر إلى ما يجري لا بوصفه انتصاراً لطرف وهزيمة لطرف آخر، وإنما باعتباره انتقالاً من زمن القوى التي نشأت في فراغ الدولة إلى زمن الدولة التي يُفترض أن تستوعب الجميع.
وفي هذا الانتقال، قد تنتهي قسد كما عرفناها، لكن السؤال الأهم ليس ماذا سيبقى من اسمها، بل ماذا سيبقى من تجربتها، وماذا ستتعلم سورية كلها منها؟
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

