كتبت:ميساء يوسف
لأن بعمرة غير… هناك أشياء يصعب أن تحدث إلا في ضيعتنا، أشياء قد تبدو بسيطة لمن يراها من بعيد، لكنها بالنسبة لنا تختصر حكاية طويلة من الحب والانتماء والشغف.
في بعمرة، ينزل الكبير قبل الصغير إلى ملعب الضيعة، وأحياناً قبل ثلاث ساعات من موعد مباراة كرة القدم، ويجلسون تحت الشمس بانتظار المباراة، فقط ليضمنوا لأنفسهم مكاناً يتابعون منه فريقهم ويشجعونه. الجميع يعرف أن من يتأخر عن الموعد لن يجد مكاناً يجلس فيه، وربما لن يجد حتى مكاناً يقف فيه!
والأجمل أن هذا الحب لا يقتصر على أبناء الضيعة المقيمين فيها. فهناك من يسكن خارج بعمرة، يترك عمله، ويجمع عائلته، ويقطع مسافة أربعين كيلومتراً أو أكثر، فقط ليصل إلى الملعب، يشجع فريق ضيعته، يعيش فرحة المباراة مع أهله وناسه، ثم يعود مباشرة.
أكيد هناك الكثير من الحكايات والمواقف التي تشبه هذه، وربما لا أعرفها كلها. لذلك، من يعرف حكاية بعمراوية جميلة، فليخبرنا بها… فذاكرة الضيعة أكبر من أن يحملها شخص واحد.
لكن إذا أردنا أن نفهم سر هذا الشغف الكبير، وهذا الحب والولع ببعمرة وفريقها، ربما علينا أن نعود قليلاً إلى التاريخ.
من التاريخ البعمراوي
في أوائل السبعينيات، كان هناك شاب يستعد ليوم عرسه من الفتاة التي أحبها. حارب وتحدى كثيراً حتى وافق أهلها على أن تكون له، وكان من المفترض أن يكون يوم زفافه يوماً لا يشبه أي يوم آخر.
لكن يبدو أن حب الضيعة وكرة القدم كان له رأي آخر!
فقد ذهب الشاب إلى مباراة فريق الضيعة، واضطر أهله في النهاية إلى الذهاب إلى الملعب وسحبه من هناك، قائلين له: تعال، نريد أن نذهب لإحضار العروس!
حتى في يوم العرس، لم تستطع مباراة بعمرة أن تمر من دون أن يكون أحد أبنائها في الملعب!
ولا يمكنني أن أنسى أبداً مبارياتنا في دوري صافيتا خلال الثمانينيات والتسعينيات. يومها كانت بعمرة كلها تخرج إلى الملعب؛ كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً.
لم تكن وسيلة النقل مهمة. سيارة، بيك أب، جرار زراعي… المهم أن نصل إلى الملعب ونكون إلى جانب فريقنا.
وبعد انتهاء المباراة، كانت العودة بحد ذاتها كرنفالاً يلفت أنظار صافيتا كلها. أما إذا عاد الفريق بالكأس، فكانت الفرحة تكتمل بحفلة كبيرة عند بلوطة الضيعة الكبيرة، حيث يجتمع الجميع ويستمر الاحتفال.
تلك ليست مجرد ذكريات قديمة.
هذا شغف لم يولد اليوم، وليس شغفاً عابراً مرتبطاً بمباراة أو بطولة. إنه شغف متوارث، ينتقل من جيل إلى جيل، حتى أشعر أحياناً أنه ينتقل بالدم والجينات.
شغف لا ينتهي ولا يموت.
فكل طفل يقف اليوم في مدرجات الملعب، وكل شاب يهتف لفريق الضيعة، وكل أم وأب يرافقان أبناءهما إلى المباراة، إنما يحملون شيئاً من ذاكرة الذين سبقوهم.
ولهذا أقول دائماً إن جمهور بعمرة ليس مجرد جمهور… إنه حكاية بحد ذاته.
جمهور بعمرة أحلى وأرقى جمهور بالعالم.
واليوم، ونحن نعيش أجواء مهرجان السنابل وما يحمله من فعاليات وفرح واجتماع لأبناء الضيعة، أشعر أن تلك الحكاية القديمة ما زالت حية، وأن بعمرة ما زالت تعرف كيف تجمع أبناءها حول الفرح والمحبة والرياضة والانتماء.
ومع ختام منافسات دوري بعمرة، لا بد أن نقول:
مبارك لبرج عرب كأس دوري بعمرة.
ومبارك لبعمرة هذا التميز والتألق والرفعة والأخلاق الرياضية العالية.
قد تكون النتيجة في الملعب خسارة، لكنها أحياناً تكون خسارة بطعم الفوز العظيم؛ فالفوز الحقيقي هو أن نرى هذا الحضور، وهذا الحماس، وهذه الروح الرياضية، وهذا الحب الذي يتجاوز نتيجة مباراة.
فوز بعمرة الحقيقي هو أن تبقى قادرة على جمع أبنائها، وأن يبقى اسمها قادراً على إعادة من ابتعدوا عنها، ولو لساعات، إلى ملعبها وناسها وذكرياتها.
شكراً لمدير الدوري والمهرجان، الأستاذ عيسى أحمد، ولكل من ساعده وشارك في إنجاح هذه الفعاليات.
وشكراً لكل من جعل من مهرجان السنابل مناسبة أخرى لنكتشف كم نحب هذه الضيعة، وكم نفتخر بها.
وشكراً لبعمرة…
ضيعتي التي أفتخر بها.
كل عام وأنتم بخير.
وكل عام وبعمرة بخير، بأهلها، بأبنائها، بذكرياتها، وبذلك الشغف الذي لا يموت

(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

