آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » سورية بحاجة إلى مراجعة نقدية شاملة

سورية بحاجة إلى مراجعة نقدية شاملة

بقلم: حسين حمادة

 

مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

 

بعد مضي قرابة عامين على سقوط النظام الأسدي، تجد سورية نفسها أمام مرحلة مفصلية شديدة الحساسية، تتراكم فيها التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والمؤسساتية، وتتزايد معها الحاجة إلى إعادة تقييم مسار المرحلة الانتقالية، ومراجعة ما رافقها من قرارات وسياسات وممارسات.

سورية اليوم بحاجة إلى مراجعة نقدية صادقة وشاملة، لا تستهدف إضعاف القيادة، ولا تنطلق من الرغبة في تصفية الحسابات، وإنما تهدف قبل كل شيء إلى تصحيح المسار، وتدارك الأخطاء، وحماية الدولة، وتعزيز مؤسساتها، ومنع تحول الأخطاء المؤقتة إلى أزمات مستدامة.

وهذا يفرض على القيادة أن تقتنع بأن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل فضيلة، وليس تراجعًا عن الموقف، بل شجاعة سياسية.

فالاعتراف بالخطأ يمثل الخطوة الأولى والشرط الأساسي لأي إصلاح حقيقي؛ إذ لا يمكن تصحيح ما نرفض الاعتراف بوجوده، ولا يمكن معالجة الخلل ما لم نمتلك شجاعة تشخيصه.

لكن المشكلة، في تقديري، تكمن في أن القيادة تبدو مقتنعة بأن النهج الذي تتبناه على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية والأمنية يسير في الاتجاه الصحيح، وأن المرحلة الحالية هي مرحلة تمكين وبناء للسلطة ومؤسسات الدولة، وبالتالي لا ترى أن هناك ما يستدعي مراجعة جوهرية أو إعادة النظر.

مع أن هناك أخطاء تراكمية كان لها تأثير سلبي، من أبرزها ما يلي:

أولًا: تغليب الولاء على الكفاءة

من أبرز الإشكالات التي رافقت المرحلة الماضية تغليب معيار الولاء والثقة السياسية والشخصية على معيار الكفاءة والخبرة عند إسناد عدد من المناصب والمهام العامة.

سورية خرجت من انهيار كبير سياسي واقتصادي واجتماعي ومؤسساتي وأمني، وهي أحوج ما تكون إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وإلى شخصيات تؤمن بأهداف الثورة وقيمها، وقادرة في الوقت نفسه على إدارة مؤسسات الدولة واتخاذ القرارات وتحمل المسؤولية.

فالدولة لا تُبنى بالولاءات، وإنما بالمؤسسات والكفاءات، ولا تُدار بمنطق الثقة الشخصية، وإنما بمنطق المسؤولية العامة والقانون.

ثانيًا: مؤتمر وطني لم يأخذ حقه من التحضير

كان يفترض أن يشكل المؤتمر الوطني محطة تأسيسية مهمة في بناء التوافق السوري، وفرصة حقيقية للاستماع إلى مختلف مكونات المجتمع والقوى السياسية والاجتماعية والوطنية.

إلا أن عقد مؤتمر بهذه الأهمية خلال يوم واحد، ودون توفير مساحة زمنية كافية للتحضير والنقاش والحوار، ودون تمثيل واسع يعكس التنوع السوري، ودون مخرجات واضحة قابلة للتنفيذ والمتابعة، جعل منه أقرب إلى محطة رمزية منه إلى عملية سياسية تأسيسية قادرة على إنتاج توافق وطني مستدام.

وكان من الأجدى أن يسبقه حوار وطني واسع، وأن تكون المشاركة فيه أوسع، وأن تخرج عنه قرارات واضحة وآليات محددة للتنفيذ والمتابعة.

ثالثًا: إعلان دستوري يحتاج إلى مراجعة

كان ينبغي للإعلان الدستوري أن يشكل إطارًا متوازنًا لتنظيم المرحلة الانتقالية، بحيث يحدد بوضوح الصلاحيات والمسؤوليات، وينظم العلاقة بين مؤسسات الدولة، ويمنع تركز السلطات بصورة تؤدي إلى اختلال التوازن المؤسسي.

كما كان من الضروري أن يتضمن ضوابط واضحة لممارسة الصلاحيات الاستثنائية التي تقتضيها المرحلة الانتقالية، بما يحول دون تحول الاستثناء إلى قاعدة، ويضمن خضوع السلطة للقانون.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة الإعلان الدستوري وتطويره، ليس من منطلق رفض المرحلة الانتقالية، وإنما من أجل جعله أكثر انسجامًا مع متطلبات بناء دولة المؤسسات والقانون، وأكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات وتحقيق التوازن بين السلطات.

رابعًا: غياب خارطة طريق واضحة للانتقال السياسي

من أكبر التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية عدم وضوح المسار السياسي بالصورة الكافية.

فالانتقال السياسي لا يمكن أن يبقى مفهومًا عامًا مفتوحًا على احتمالات متعددة، وإنما يحتاج إلى خارطة طريق واضحة ومعلنة تحدد مراحل الانتقال، وأهداف كل مرحلة، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، وآليات الرقابة والمساءلة، والمدة الزمنية اللازمة لإنجازها.

فالمرحلة الانتقالية، بطبيعتها، مرحلة مؤقتة واستثنائية، ووظيفتها الأساسية هي نقل البلاد من وضع استثنائي إلى وضع مؤسساتي مستقر.

ولذلك يجب ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى مرحلة دائمة بلا أفق سياسي واضح، لأن استمرار الاستثناء لفترة طويلة قد يؤدي، بصورة تدريجية، إلى تكريس الوضع الذي يفترض أن تنهيه المرحلة الانتقالية.

خامسًا: غياب موازنة مالية واضحة وشفافة

لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون موازنة مالية واضحة وشفافة.

فالمال العام ملك للمجتمع، وإدارة الموارد العامة وإنفاقها يجب أن تخضع لقواعد واضحة، وأن تكون الموازنة العامة معلنة ومفهومة وقابلة للرقابة، مع تحديد الإيرادات والنفقات وأوجه الإنفاق وأولويات الدولة.

وفي بلد يعاني من انهيار اقتصادي واسع، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، تصبح الشفافية المالية أكثر أهمية من أي وقت مضى، ومن حق المواطن أن يعرف بوضوح:

من أين تأتي أموال الدولة؟ وأين تُنفق؟ وما هي أولويات الإنفاق؟ وما الذي يُخصص للخدمات العامة والإعمار والتنمية؟

فالشفافية المالية ليست ترفًا إداريًا، وإنما إحدى ركائز الثقة بين الدولة والمجتمع.

سادسًا: ضعف المحاسبة والمساءلة

لا يمكن بناء دولة القانون من دون محاسبة ومساءلة حقيقية.

ويجب أن تكون القاعدة واضحة: كل من ارتكب جريمة يجب أن يخضع للمساءلة، أياً كان موقعه، وأياً كان الطرف الذي ينتمي إليه، وأياً كانت صفته، مسؤولًا كان أم مواطنًا عاديًا.

فالعدالة لا تكتمل إذا كانت انتقائية، ولا يمكن بناء دولة جديدة بعقلية تستبدل الإفلات من العقاب بإفلات جديد من العقاب.

المطلوب ليس الانتقام، وإنما العدالة؛ وليس تصفية الحسابات، وإنما تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

سابعًا: مراجعة طريقة تشكيل مؤسسات الدولة

تبرز كذلك الحاجة إلى مراجعة طريقة تشكيل عدد من المؤسسات والهيئات التي يفترض أن تؤدي أدوارًا أساسية في الحياة العامة، وفي مقدمتها:

* مجلس الشعب.
* مجلس القضاء الأعلى.
* المحكمة الدستورية.
* مجالس النقابات.

فالمشكلة ليست في وجود هذه المؤسسات من حيث المبدأ، وإنما في كيفية تشكيلها، ومدى استقلالها، وآليات اختيار أعضائها، وطبيعة الصلاحيات الممنوحة لها، ومدى تمثيلها للمجتمع، وآليات الرقابة والمساءلة عليها.

إن بناء دولة المؤسسات لا يتحقق بمجرد إنشاء المؤسسات وتسميتها، وإنما بإنشاء مؤسسات مستقلة وفاعلة ومتوازنة، تقوم على الكفاءة والتمثيل الحقيقي، وتعمل ضمن قواعد واضحة، وتخضع للقانون والمساءلة.

إن استمرار الخطأ بعد اكتشافه أخطر من وقوعه في المرة الأولى.

فالخطأ السياسي يمكن تصحيحه، والقرار يمكن مراجعته، والسياسة يمكن تعديلها، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها. أما تحويل الخطأ إلى موقف ثابت، والدفاع عنه لمجرد أنه صدر عن السلطة، فهو ما يجعل الخطأ يتراكم ويتحول مع الوقت إلى أزمة.

ومن أين يبدأ التصحيح؟

في تقديري، لا يبدأ التصحيح بإصدار قرار منفرد هنا أو تعديل قانون هناك، وإنما يبدأ بفتح حوار وطني حقيقي وشامل، يتيح الاستماع إلى مختلف الآراء، ويضع التجربة السابقة تحت التقييم، ويحدد مكامن الخلل، ويقترح مسارات عملية للخروج منها.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى الإعداد لمؤتمر وطني سوري جامع، على أن يسبقه حوار وطني واسع، لا يكون المؤتمر فيه مجرد اجتماع رمزي، وإنما محطة سياسية تأسيسية تفضي إلى توافقات واضحة، وأولويات محددة، وخارطة طريق قابلة للتنفيذ.

أما صيغ هذا الحوار، وآليات التحضير للمؤتمر الوطني ومعايير المشاركة فيه، والموضوعات التي ينبغي أن تكون على جدول أعماله، ومخرجاته، والضمانات التي تكفل أن يتحول إلى عملية وطنية حقيقية، فهي مسائل تستحق نقاشًا مستقلًا ومفصلًا، ربما نأتي على بيانها لاحقًا
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اجتماع موسع في طرطوس لبحث تطوير حرفة معقبي المعاملات وتحديث التشريعات الناظمة لها

طرطوس – أخبار سوريا الوطن     بحث اجتماع موسع عقد في مقر اتحاد الحرفيين بمحافظة طرطوس آفاق تطوير حرفة معقبي المعاملات والارتقاء بمستوى العمل ...