آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » نحو حضارة تُبنى على السلام لا على الركام

نحو حضارة تُبنى على السلام لا على الركام

 

بقلم جمعان علي العمير

 

ليست الثورات العظيمة تلك التي تكتفي بإسقاط الجدران، بل تلك التي تنجح في بناء الإنسان، وليست الأمم القوية تلك التي تنتصر في معاركها فحسب، بل تلك التي تنتصر على جراحها، وتنهض من بين الرماد لتصنع مستقبلاً يليق بأحلام أبنائها. وسوريا اليوم تقف أمام لحظة تاريخية فارقة، تحمل في طياتها مسؤولية أخلاقية ووطنية وإنسانية كبرى، تفرض على الجميع أن يتجاوزوا آلام الماضي، وأن يفتحوا أبواب الغد بإرادة صادقة، وعقول مستنيرة، وقلوب مؤمنة بأن الوطن أكبر من الخلافات، وأبقى من الصراعات، وأقدس من المصالح الضيقة.

 

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً من دماء أبنائها، ودموع أمهاتها، وآلام شعبها العظيم، لكن الشعوب الحية لا تُقاس بحجم ما فقدته، بل بقدرتها على تحويل المحنة إلى منحة، والوجع إلى قوة، والانكسار إلى بداية جديدة. ومن هنا، فإن الواجب الوطني يدعونا جميعاً إلى أن نجعل من الثورة جسراً نعبر به نحو الإصلاح والنهضة، لا سكيناً نمزق به ما تبقى من الجراح، وأن نجعل من الهوية الوطنية مظلة جامعة يتفيأ تحت ظلها الجميع، لا خندقاً تتواجه داخله الانتماءات، وأن نجعل من الطبقة سلماً يرتقي عليه أبناء الوطن نحو العدالة والتكافؤ، لا جداراً يفصل بينهم، وأن نجعل من الدولة بيتاً واسعاً يتسع لكل أبنائه، ويحفظ كرامتهم، ويصون حقوقهم، ويمنحهم الشعور بالشراكة الحقيقية في صناعة المستقبل.

 

إن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل حضور للعدالة، وازدهار للأمل، وانتصار للحياة، وهو ليس حالة مؤقتة، بل ثقافة راسخة، وسلوك يومي، ومشروع وطني متكامل يبدأ من الإنسان وينتهي إلى الإنسان. ولذلك، فإن تعزيز ثقافة السلام في المجتمع يتطلب بناء وعي جديد يؤمن بأن الاختلاف لا يعني العداء، وأن التنوع مصدر غنى وقوة، وأن الحوار هو الطريق الأقصر نحو التفاهم والاستقرار. كما يتطلب ترسيخ قيم التسامح في الأسرة، وتعليم الأجيال الجديدة احترام الآخر في المدارس والجامعات، وتشجيع المبادرات المجتمعية التي تجمع الناس حول العمل والعطاء وخدمة الوطن، وتعزيز مفهوم المواطنة الذي يجعل الجميع متساوين في الحقوق والواجبات دون تمييز أو إقصاء.

 

ويأتي الإعلام في قلب هذه المهمة الوطنية الكبرى، لأنه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل صانع للوعي وشريك في تشكيل الوجدان العام. فالكلمة قادرة على أن تبني، كما يمكنها أن تهدم، والخبر قد يزرع الثقة، كما قد ينشر الخوف، والصورة قد تفتح أبواب المصالحة، كما قد تؤجج الصراع. ومن هنا، فإن دور الإعلام الحقيقي يتمثل في نشر قيم الحوار، واحترام التنوع، ومواجهة خطابات الكراهية، وتعزيز روح المواطنة، وإبراز النماذج المشرقة التي تعمل من أجل البناء والإعمار والإنسان. فكل قصة نجاح يرويها الإعلام هي لبنة في جدار الأمل، وكل مبادرة سلام يسلط الضوء عليها هي خطوة نحو مجتمع أكثر استقراراً وتماسكاً، وكل كلمة مسؤولة يكتبها صحفي أو مثقف أو إعلامي هي رسالة نور في مواجهة العتمة.

 

إن سوريا التي كانت مهد الحضارات الأولى وقبلة للعلم والثقافة، قادرة اليوم على أن تكتب صفحة جديدة من تاريخها، عنوانها السلام، ورسالتها الكرامة الإنسانية، وأفقها التنمية والازدهار. وقادرة بإرادة أبنائها على أن تتحول من ساحة أنهكتها الصراعات إلى وطن يحتضن الجميع، ومن ذاكرة مثقلة بالألم إلى مستقبل يفيض بالأمل، ومن مشاهد الركام إلى مشاهد البناء والحياة.

 

فالله الله بسوريا،

الله الله بشعبها العظيم،

الله الله بكل يد تبني حجراً في مدرسة، أو أملاً في قلب، أو غرسة في أرض،

وبكل قلب يسامح لأنه يؤمن أن الأوطان لا تشفى بالانتقام، بل بالمحبة،

وبكل قلم يكتب ليصلح لا ليشعل، وليجمع لا ليفرق، وليصنع الجسور بين أبناء الوطن الواحد.

 

فمن بين الركام تولد المدن، ومن بين الدموع تولد الابتسامات، ومن بين المحن تولد الأمم العظيمة. وحين يختار السوريون السلام طريقاً لهم، فإنهم لا يبنون دولة فحسب، بل يبنون حضارة جديدة أساسها الإنسان، ورايتها الكرامة، ورسالتها أن الحياة أقوى من الحرب، وأن الوطن يتسع للجميع، وأن المستقبل يبدأ دائماً حين نؤمن بأن البناء أعظم من الهدم، وأن السلام أبقى من كل الصراعات

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا الجديدة… ملحمةُ النار والنهار

بقلم: جمعان علي العمير     يا سوريا… يا وطنًا يشبه الأسطورة حين تُروى، ويشبه البرق حين يولد من قلب الغيم، ويشبه الجرح حين يتحوّل ...