آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » محددات السياسة الأوروبية حيال إيران

محددات السياسة الأوروبية حيال إيران

 

جاسم محمد

 

تكشف الحرب مع إيران عن مأزق أوروبي يتجاوز المواقف الديبلوماسية المعلنة، ويضع العواصم الأوروبية أمام سؤال صعب، وهو كيف تحمي أوروبا أمنها ومصالحها من دون الانجرار إلى حرب لا تريدها، وكيف تحافظ في الوقت نفسه على نفوذها في أزمة تتحكم الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل في مساراتها الأساسية؟

 

 

 

تدرك أوروبا أن أي مواجهة واسعة مع إيران لن تبقى داخل حدود الشرق الأوسط. ويمثل البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية أحد أبرز مصادر القلق الأوروبي، إلى جانب احتمال انتقال تداعيات الحرب إلى الملاحة والطاقة والأمن الداخلي. وتخشى الأجهزة الأوروبية كذلك من تصاعد التطرف والتهديدات الإرهابية، خصوصاً مع اتساع التوتر الإقليمي وتنامي الاستقطاب داخل المجتمعات الأوروبية.

 

 

 

تواجه أوروبا في المقابل مشكلة عملية تتمثل في محدودية قدراتها العسكرية. وتحتاج القارة إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية والممرات البحرية، بينما تستنزف الحرب في أوكرانيا جزءاً مهماً من الموارد والقدرات الأوروبية. ويجعل هذا الواقع أي مواجهة مباشرة مع إيران خياراً مكلفاً وغير مضمون النتائج.

 

 

 

تضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين للانخراط بصورة أكبر في مواجهة إيران، خصوصاً في حماية الملاحة عبر مضيق هرمز. وتكشف المواقف الأوروبية تحفظاً واضحاً عن هذا الطلب، لأن العواصم الأوروبية لا تريد أن تتحول إلى طرف مباشر في حرب لم تبدأها، كما لا تريد تحمل تكلفة استراتيجية جديدة بعد سنوات من تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا.

 

 

 

تستخدم إيران نقاط الضعف الأوروبية ورقة ضغط وتمثل الطاقة والملاحة أبرز هذه الأوراق، لأن أي اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على الأسواق الأوروبية والأسعار وسلاسل الإمداد. وتستطيع طهران، من خلال التهديد بإغلاق حركة الملاحة أو تعطيلها، التأثير في الحسابات الأوروبية حتى من دون استهداف الأراضي الأوروبية مباشرة.

 

 

 

يمثل الملف النووي ورقة إيرانية أخرى وتستطيع طهران توظيف المفاوضات لإحداث تباين بين واشنطن والعواصم الأوروبية، مستفيدة من رغبة أوروبا في تجنب الحرب والعودة إلى المسار الديبلوماسي. وتملك إيران كذلك نفوذاً إقليمياً يمكن أن يهدد المصالح الأوروبية بصورة غير مباشرة، خصوصاً عبر الجماعات المسلحة وشبكاتها في المنطقة.

 

 

 

تواجه أوروبا مشكلة ثقة عميقة مع إيران، وتنظر العواصم الأوروبية بقلق إلى البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، ودعم طهران لحلفائها المسلحين، وعلاقاتها المتنامية مع روسيا. وتنظر إيران في المقابل إلى أوروبا باعتبارها طرفاً أقل تأثيراً من الولايات المتحدة، ما يحدّ من قدرتها على فرض شروطها أو تقديم ضمانات مستقلة.

 

 

 

تبدو الخيارات الأوروبية محدودة بين ثلاثة مسارات، انفراج ديبلوماسي مشروط، أو استمرار العقوبات والجمود، أو الانضمام إلى سياسة الضغط الأقصى. ويبدو المسار الثالث الأكثر خطورة، لأن زيادة الضغط من دون مسار سياسي واضح قد تدفع إيران إلى مزيد من التصعيد، وتعميق علاقاتها مع روسيا والصين، وتوسيع أزمة الطاقة والأمن.

 

 

 

تحتاج أوروبا إلى استراتيجية تتجاوز ردود الفعل وتستطيع العواصم الأوروبية استخدام قوتها الاقتصادية والديبلوماسية للضغط على طهران، مع الحفاظ على قدرة ردع تحمي مصالحها. ولا تستطيع أوروبا الدخول في حرب شاملة، لكنها لا تستطيع أيضاً الوقوف متفرجة أمام تهديد يطاول أمنها ومصالحها.

 

 

 

تفرض الأزمة على أوروبا إعادة تعريف علاقتها بإيران والولايات المتحدة معاً. وتبقى الديبلوماسية المدعومة بالقوة، لا الديبلوماسية المنفصلة عنها، الطريق الأكثر واقعية أمام أوروبا. فالمطلوب ليس اختيار الحرب أو الاستسلام، بل بناء سياسة أوروبية قادرة على منع التصعيد، وحماية المصالح، والتفاوض من موقع قوة.

 

 

 

*باحث في الأمن الدولي والإرهاب

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زيارة شي إلى مصر: بواعث التقارب ومحدداته

    كتب محمد خير الوادي   تذكرني زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ الحالية إلى مصر بالزيارة التاريخية التي قام بها الزعيم الصيني شو ...