اخبار سوريا الوطن -اسرة التحرير
لم يكن زواج الابنة بالنسبة إلى هذا الأب في ريف الساحل السوري مجرد مناسبة عائلية عابرة، ولا كان سفرها إلى الخارج مجرد انتقال إلى حياة جديدة. فقد كانت ابنته، بحسب المعطيات المتوافرة، قريبة جداً إلى قلبه، وجزءاً أساسياً من تفاصيل يومه وحياته. وحين تزوجت وغادرت إلى الخارج، وجد نفسه أمام فراغ عاطفي كبير، لم يتمكن من التعامل معه كما ينبغي.
على مدى ثلاثة أشهر، دخل الأب في حالة اكتئاب شديد، أخذت حالته النفسية خلالها بالتفاقم، إلى أن انتهى به الأمر إلى وضع حد لحياته.
إنها واقعة مؤلمة، تتجاوز حدود الحكاية الشخصية، وتضع أمامنا أسئلة تستحق التوقف عندها: كم من إنسان يعيش بيننا ألماً نفسياً لا نراه؟ وكم من أب أو أم أو شاب يبتسم أمام الآخرين، فيما يخوض داخله معركة قاسية مع الحزن والوحدة وفقدان المعنى؟
حين يتحول الغياب إلى ألم لا يُحتمل
من الطبيعي أن يشعر الأب بالحزن عندما تغادر ابنته منزل الأسرة لتبدأ حياة جديدة، ومن الطبيعي أن يحتاج إلى وقت حتى يعتاد تغير تفاصيل البيت وغياب حضورها اليومي. لكن الحزن حين يشتد ويستمر، وترافقه أعراض تؤثر في حياة الإنسان وقدرته على ممارسة يومه، قد يكون مؤشراً إلى مشكلة نفسية تحتاج إلى اهتمام ومساعدة متخصصين.
فالزواج ليس فقداناً للابنة، والسفر لا يعني انتهاء العلاقة، لكن الانتقال من مرحلة إلى أخرى قد يكون صعباً على بعض الآباء والأمهات، ولا سيما عندما تكون حياتهم العاطفية والاجتماعية قد تمحورت لسنوات حول الأبناء، من دون أن تتشكل لديهم مصادر أخرى للدعم والرفقة والمعنى.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: لا يمكن الجزم بأن سفر الابنة وحده هو السبب الكامل لما حدث، ولا يمكن تشخيص حالة الرجل اعتماداً على هذه المعلومات فقط. فالأزمات النفسية غالباً ما تتداخل فيها عوامل شخصية وأسرية واجتماعية وصحية مختلفة.
لكن ما تكشفه هذه الحادثة بوضوح هو أن الألم النفسي ليس أمراً بسيطاً دائماً، وأن الاكتئاب ليس ضعفاً في الشخصية، ولا نقصاً في الإيمان أو الإرادة، ولا حالة يمكن علاجها بمجرد مطالبة صاحبها بأن يتماسك.
لا تنتظروا حتى يصرخ الألم
في مجتمعاتنا، اعتدنا أحياناً أن نطلب من الرجل أن يكون قوياً في كل الظروف، وأن يكتم حزنه، وألا يُظهر انكساره مهما اشتدت عليه الأزمات. وقد يشعر بعض الآباء بأن الحديث عن وحدتهم أو حاجتهم إلى الدعم ينتقص من مكانتهم أو من صورتهم أمام أسرهم.
لكن الحقيقة أن الرجل، مهما بدا قوياً، إنسان يحتاج إلى الحب والاهتمام والشعور بأنه ما زال مهماً في حياة الآخرين.
وقد لا يقول المكتئب صراحة إنه يتألم. ربما ينعزل عن محيطه، أو يفقد اهتمامه بالأشياء التي كان يحبها، أو يعاني اضطرابات في النوم والشهية، أو يشعر باليأس والذنب وانعدام القيمة. وقد يتحدث عن الموت أو يلمّح إلى أنه عبء على أسرته.
هذه العلامات لا تعني بالضرورة أن كل شخص يعاني منها سيحاول الانتحار، لكنها تستحق الانتباه، ولا سيما عندما تتفاقم أو تترافق مع حديث عن إيذاء النفس.
لا تسخروا من حزن أحد، ولا تصفوا معاناته بالدلال، ولا تتركوه وحيداً لأنه لا يعرف كيف يشرح ما يشعر به.
أحياناً، يكون السؤال الصادق: «كيف حالك حقاً؟» بداية حوار كان صاحبه ينتظره منذ وقت طويل. وأحياناً، تكون الزيارة والجلوس إلى جانبه والاستماع إليه من دون محاكمة أهم من عشرات النصائح الجاهزة.
ماذا نفعل عندما يتألم أحد أفراد الأسرة؟
إن مسؤولية الوقاية من الأزمات النفسية لا تقع على عاتق شخص واحد، ولا تعني أن الأسرة تستطيع وحدها علاج الاكتئاب. لكنها تستطيع أن تكون خط الدفاع الأول عبر خطوات عملية وبسيطة:
الانتباه إلى التغيرات: لا تتجاهلوا الحزن المستمر، والانسحاب من الحياة الاجتماعية، وفقدان الاهتمام، والتدهور الملحوظ في أداء المهام اليومية.
الاستماع بلا أحكام: امنحوا الشخص فرصة للتعبير عن مشاعره، من دون توبيخ أو مقارنة مع الآخرين أو مطالبته بإخفاء ألمه.
طلب المساعدة المتخصصة: عندما يستمر الاكتئاب أو يؤثر في الحياة اليومية، ينبغي تشجيع الشخص على مراجعة طبيب أو اختصاصي في الصحة النفسية. فطلب العلاج ليس عيباً، بل خطوة مسؤولة.
عدم الاكتفاء بالهاتف: إذا كان أحد أفراد الأسرة يعيش وحيداً أو يمر بأزمة نفسية، فحافظوا على التواصل المباشر والزيارات المنتظمة، وشارِكوه في أنشطة اجتماعية تناسب حالته.
أخذ الحديث عن الانتحار بجدية: إذا عبّر الشخص عن رغبته في الموت أو إيذاء نفسه، اسألوه بهدوء وبشكل مباشر إن كان يفكر في الانتحار. الحديث الواضح عن ذلك لا يزرع الفكرة في رأسه، بل قد يساعد على كشف الخطر وفتح باب المساعدة.
وإذا ظهرت علامات خطر وشيك، فلا تتركوا الشخص بمفرده، وأبعدوا عنه الوسائل التي قد يستخدمها لإيذاء نفسه إذا أمكن ذلك بأمان، واطلبوا فوراً المساعدة الطبية الطارئة.
إلى الأبناء: لا تجعلوا انشغال الحياة يسرق منكم آباءكم
إلى كل ابن وابنة غادرا منزل الأسرة من أجل الزواج أو العمل أو الدراسة أو الهجرة: من حقكم أن تبنوا مستقبلكم، وأن تبدأوا حياة جديدة، وأن تحققوا أحلامكم. لكن لا تنسوا أن الانتقال الذي يمثل بداية جميلة لكم قد يترك فراغاً كبيراً لدى أب أو أم اعتادا وجودكم حولهما.
لا يعني ذلك أن تتخلوا عن حياتكم أو أن تتحملوا وحدكم مسؤولية الصحة النفسية لوالديكم، بل أن تحافظوا على علاقة دافئة ومنتظمة معهم.
اتصلوا بهم، واسألوهم عن تفاصيل يومهم، وأشعروهم بأنهم ما زالوا جزءاً من حياتكم وقراراتكم. رتّبوا زياراتكم كلما أمكن، وشجعوهم على بناء صداقات جديدة، وممارسة هواياتهم، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية، وتوسيع دائرة علاقاتهم.
لا تجعلوا تواصلكم معهم مقتصراً على السؤال التقليدي: «هل تحتاجون شيئاً؟» بل اسألوهم أيضاً: «كيف تشعرون؟ ما الذي يشغلكم؟ وما الذي يمكننا فعله معاً حتى تكون أيامكم أفضل؟».
فالأب الذي أمضى سنوات يعتني بأبنائه قد يحتاج، في مرحلة لاحقة من حياته، إلى من يذكّره بأن دوره لم ينتهِ، وأن قيمته لا تتوقف على وجود الأبناء تحت سقف واحد.
وإلى الآباء والأمهات: حياتكم لا تنتهي عندما يغادر الأبناء
إلى كل أب وأم يشعران بالوحدة بعد زواج الأبناء أو سفرهم: من حقكما أن تحزنا، وأن تشتاقا، وأن تحتاجا إلى وقت للتكيف مع التغيير. لكن لا تسمحا للحزن بأن يعزلكما عن الحياة، ولا تترددا في طلب المساعدة عندما يصبح الألم أكبر من قدرتكما على احتماله.
حاولا أن تجعلا لهذه المرحلة مساحتها الخاصة: صداقة جديدة، أو هواية مؤجلة، أو نشاط اجتماعي، أو عمل تطوعي، أو لقاءات منتظمة مع الأقارب والأصدقاء. وإذا استمر الحزن أو اشتد، فاطلبا مساعدة متخصصة.
أن تحبا أبناءكما كثيراً لا يعني أن تتوقف حياتكما عند مغادرتهم المنزل. وأن تشتاقا إليهم لا يعني أن عليكما مواجهة الوحدة وحدكما.
رسالة إلى المجتمع: الصحة النفسية ليست ترفاً
ما حدث في ريف طرطوس يجب ألا يتحول إلى خبر عابر يُقرأ لدقائق ثم يُنسى. الأهم أن يدفعنا إلى مراجعة طريقة تعاملنا مع الصحة النفسية، وإلى كسر الوصمة التي تجعل بعض الناس يخشون طلب المساعدة خوفاً من كلام الآخرين.
نحتاج إلى أسر أكثر وعياً، ومجتمعات أكثر احتواءً، ومؤسسات صحية قادرة على تقديم الدعم، وإلى خطاب اجتماعي يتيح للإنسان أن يتحدث عن ألمه من دون خوف أو خجل.
نحتاج أيضاً إلى أن نتوقف عن الاعتقاد بأن كل من يعاني يستطيع تجاوز معاناته بمفرده، وأن نُدرك أن التدخل المبكر قد يكون فارقاً مهماً في حياة شخص يمر بأزمة.
ليس مطلوباً من كل قريب أو جار أن يصبح اختصاصياً نفسياً، لكن المطلوب ألا نتجاهل العلامات المقلقة، وألا نستخف بالمعاناة، وألا نترك من يحتاج إلى المساعدة يواجه أزمته وحده
فلنصغِ إلى الألم قبل أن يتحول إلى مأساة، ولنجعل من الاهتمام بالإنسان ثقافة يومية، لا استجابة متأخرة بعد فوات الأوان

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
