علي صقر
لو كانت البراكين تتكلم لما انفجرت.. لكن الأديبة الصديقة أمل لايقة، وعلى عجلتين من الكاوتشوك، تقرر يومياً أن تفجّر ينابيع من الفن والثقافة، فتجرّ وتصنع وتفعّل مبادرة ثقافية تعجز عن مثيلها وزارات وهيئات برُمّتها، رغم فارق الإمكانيات الهائل!
حين التقيتُها في دردشة لصالح موقع «إرادة»، لنحفر معاً في تجربتها الشعرية وناديها الثقافي الذي بدأ من زاوية ضيقة في غرفتها الخاصة، كانت أمل كما هي دائماً: طفلة لم تكبر بعد إلا بأحلامها الممتدة، كأنها تؤكد مقولة أنطون تشيخوف العميقة والخالدة: «الإنسان طفلٌ من سن السنة حتى المئة».
حادثة الكهرباء.. والتقنين المبكر!
تروي أمل حكايتها مع «عربة الدولابين» بابتسامة صافية لا تخلو من السخرية الشفيفة. بدأت الرحلة وهي ابنة خمس سنوات فقط، حين صدمت سيارة صيانة تابعة لشركة الكهرباء جدار البرندة الصغيرة التي كانت تلعب خلفه مع أخيها، لينهار الحائط عليهما في غمضة عين.
وقلتُ لها، مداعباً بغلاظتي المعتادة: «يبدو أنه منذ اليوم الذي صدمتْكِ فيه سيارة الكهرباء تلك، بدأ تقنين الكهرباء وترشيدها في سوريا!».
لكن تلك الحادثة التي حرمت قدميها من الوقوف، لم تنجح إطلاقاً في حرمانهما من التحليق. تقول أمل:
«حين قرر الأطباء أن الكرسي المتحرك هو الحل الأخير.. قلتُ في سرّي: يا سلام! أخيراً سأستريح من مشاق العلاج الفيزيائي والعمليات الجراحية الفاشلة. أصبح الكرسي وسيلتي للذهاب إلى المدرسة والتجول في أرجاء القرية. لقد جعلت مني هذه الكرسي إنسانة متصالحة مع ذاتها ومع الكون.. رممت كل فجوة وكانت ميدان مواجهتي الكبرى».
من غرفة صغيرة إلى صالون ثقافي في «بَكّسا»
رغم أن قريتها الوادعة «بَكّسا» في ريف اللاذقية تزخر بالرسامين والشعراء، فإن أمل أرادت أن تحوّل هذا الثراء إلى مساحة تجمع أبناء القرية ومبدعيها. أسست «صالون بَكّسا الثقافي» بإمكانيات متواضعة، ومن دون مقر رسمي؛ فكانت البيوت تستضيف الأمسيات والندوات، فيما تولّت مجموعة من الشعراء والأدباء والفنانين إغناء التجربة.
تستعيد أمل تلك المرحلة باعتزاز، وتذكر أن الشاعر زكريا الشعار كان شريكاً لها في كثير من الأمسيات والنشاطات الشعرية، إلى جانب أسماء ثقافية وفنية عديدة، منها الأديب والمسرحي علي صقر، والأديبة رباب علي، والموسيقي مروان دريباتي، والروائي علي محمود، والشاعر دمر حبيب، والروائي العراقي راسم الحديثي، والشاعر يحيى محي الدين، والشاعر أحمد قادرة، والشاعرة رماح بوبو.
وتضيف أن الصالون اتسع لاحقاً ليشمل ندوات أدبية وفكرية بمشاركة الأستاذ حمزة الكيلاني، والشاعر والمترجم نافع معلا، والشاعر سيف الراعي، فضلاً عن التعاون مع ملتقيات ثقافية أخرى.
وتقول أمل عن هذه التجربة: «حاولنا أن نكون امتداداً من الضوء للمّ شمل التنوع الثقافي والمعرفي، والاستفادة من خبرات بعضنا البعض.. وآمل أن نكون قد نجحنا إلى حد ما».
لكن الضوء الذي حاولت أمل أن تجمع حوله المبدعين لم يكن محمياً من عتمة الظروف. فمع مرور الوقت، أخذت الاستمرارية تصبح أكثر صعوبة، في ظل الحاجة إلى كوادر إضافية ومقر أوسع ودعم أكبر.
وتوضح أمل أن غياب الدعم الكافي، إلى جانب انشغال المشاركين بهمومهم وظروفهم، أدى إلى تراجع النشاط الجماعي وتفرّق معظم أعضائه. لكنها لم تكن مستعدة لأن ينطفئ الصالون تماماً. «كنت مصرة أن هذا الصالون لن يخبو فتيله.. لذلك اتجهت كلياً إلى العمل في مجال الأطفال واليافعين، ووجدته ملعبي الذي لا يمكن الاستغناء عنه».
وهكذا، لم يكن انتقال أمل إلى العمل مع الأطفال تخلياً عن المشروع الثقافي، بل محاولة لإبقائه حياً، ولو في مساحة مختلفة.
لم تكن أمل رسامة، لكنها لم ترَ في ذلك عائقاً أمام العمل مع الأطفال. تركتهم يرسمون ويعبّرون كما يشاؤون، ويختارون الألوان والأشكال التي يحبونها. وكان بعضهم يميل إلى الكتابة، فيكتب الخواطر والقصص القصيرة، فتخصص لهم أياماً لقراءة القصص وكتابتها وحفظ الشعر، وأياماً أخرى للأشغال اليدوية والمسابقات والألعاب.
تقول أمل إن أيام الصالون تحولت بالنسبة إلى الأطفال إلى مساحة للترفيه والتسلية والفائدة؛ مكان يجدون فيه ما يتيح لهم التعبير عن أنفسهم واكتشاف ميولهم، بعيداً عن اشتراطات الكبار وتوقعاتهم.
وعن حارتها الدافئة التي تعيش فيها، وتضم مكتبتها وصور جاراتها الغاليات، مثل «أم تمام»، تقول أمل: «تتمتع كل قرية بطريقة عيش خاصة، وحارتي بمثابة قرية فيها كل الصفات الشاملة لقواعد التواصل والعلاقات؛ قد يختلفون في الحارة لكنهم لا يتعادون، قد يحصل غياب ولا يحصل نسيان، قد تحدث مشكلة ولا تحدث قطيعة.. فيها من المحبة الكثير والدفء والروابط المتينة».
الأطفال.. حين يرى الإنسان الإنسان
لم تكتفِ أمل بالبالغين والأدباء، بل انحازت كلياً وبشغف إلى الأطفال، من خلال الرسم والكتابة والمسابقات والأشغال اليدوية، بأجور رمزية جداً لتغطية تكاليف الأدوات.
وتقول عن فلسفتها في التعامل معهم:
«كسرتُ معهم كل الحواجز.. حدثتهم عن قصص الاختلاف والتميز والتغيير. نظرات المحبة والألفة في عيونهم تمنحني طاقة لا حدود لها. ما أجمل أن يقول لي طفل بعفوية وبراءة: (حين أكبر سأطبّبكِ وأعالجكِ)! هنا تدرك أن الطفل يرى إنسانيتي، ولا يرى الكرسي ولا يعنيه أصلاً!».
في هذه الحكاية الصغيرة ما يتجاوز عاطفة الطفل وبراءته؛ إنها تفتح باباً للسؤال عن الطريقة التي يتعلم بها الأطفال النظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، وعن أثر العلاقات اليومية التي تتيح لهم اكتشاف الإنسان قبل أن تحاصره الصور النمطية.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه كثير من الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم المساعدات والإعانات، يتوافد أهالي «بَكّسا» بأبنائهم إلى أمل، بحثاً عن مساحة يجد فيها هؤلاء الأطفال ما يستحق التجربة والتعلم والتعبير.
ولا يتوقف حلم أمل عند الأطفال واليافعين؛ إذ تتطلع إلى مشروع جديد يقوم على تعليم كبار السن الرسم وسرد الحكايا، إيماناً منها بأن الأعمار كلها تستحق مساحة للدهشة والبوح.
مرارة الواقع وشرف المحاولة
وراء هذه التجربة الثقافية التي قامت على المبادرة والعمل التطوعي، واقع لا يخلو من المرارة. ففي رسالة خاصة، تحدثت أمل عن الظروف التي يواجهها المبدعون في بلدها، وعن اضطرارهم إلى بيع أعمالهم الفنية والأدبية لتأمين متطلبات الحياة.
تقول:
«في بلدنا نضطر لبيع لوحاتنا وأشعارنا لأنه، للأسف، لا يوجد دعم كافٍ ولا تكريم.. فكيف سنعيش إذن ونبدع؟ لكن رغم كل شيء، فإن كل الذين يحبون الحياة يخسرون جزءاً منها، وهذا ما حدث معي، ومع ذلك.. ما زلتُ أحبها!».
وعن فلسفتها في قهر الخيبات واستقبال الصباح، تقول أمل:
«أنا أستعجل مجيء الصباح لأن قهوة الصباح مختلفة، وفيروز الصباح مختلفة، وكلمة صباح الخير وسيجارة الصباح ونسمة الصباح وصوت الحياة فيه غير.. أستعجل مجيء الصباح لأنني ما زلتُ أستطيع ذلك!».
الشعر.. أجنحة التمرد والنجاة
تختم أمل، صاحبة المجموعات الشعرية والقصصية الثماني، حديثها وعيناها تشعان بحب الحياة والتحدي. فالشعر بالنسبة إليها لم يكن مجرد وسيلة للتعبير، بل نافذة أوسع على العالم، ومساحة للتحرر من القيود.
تقول: «الشعر كان بالنسبة لي نافذة رحبة وأجنحة توسع فضاءاتي. كتبت الخواطر والمقالات، لكن النثر أخذني لعوالم حالمة لم تنسني الواقع بل مزجت بينهما. تحررتُ من العقد ومن القيود وجعلتُ رقابتي ذاتية.. أردتُ أن أقول لكل إنسان: إن أردتَ استطعت! ضعفك؟ اهزمه.. حزنك؟ تصالح معه.. تمسك بحلمك واصنع عالمك بالحب.. بالحب فقط».
ومن فيض نصوصها الشفيفة التي تحاكي الوجع والسمو:
«لا تنظر خلفك.. كل الوراء أمامك.
توقدين حزنك مثل فراشة تعشق قاتلها (الضوء)
تستكين حواسك بلا رغبة لوداع أو تلويحة يد..
تشيحين عن الرثاء، إنه لا يتقاطع مع هذا السموّ..
تترنمين ببعض الكلمات؛ هي الباقية بعدك وقبل.
الوجع يُكمل كل شيء.. ولا يكتمل، هو دائم النقصان كي يبقى في ازدياد!
حطمي ما شئتِ من أقفال.. الحرية إرادة!».
أمل لايقة.. يليق بكِ وبنا الأمل.

(أخبار سوريا الوطن-منصة إرادة -علي صقر)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
