آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » من مجاعة الشتاء إلى صدارة العالم في تصدير الغذاء: كيف حوّلت هولندا محدودية المساحة إلى ثروة زراعية؟

من مجاعة الشتاء إلى صدارة العالم في تصدير الغذاء: كيف حوّلت هولندا محدودية المساحة إلى ثروة زراعية؟

د. عادل صادق حسن

 

 

في شتاء عام 1944، كانت هولندا تموت من الجوع حرفيًا.

قطع الاحتلال النازي عنها الغذاء عقابًا لها، بعدما أضرب عمال السكك الحديدية. وكان الناس يأكلون بصيلات الزهور لكي يبقوا على قيد الحياة، ومات أكثر من 20 ألف شخص جوعًا. (مجاعة الشتاء الشهيرة).

ومن قلب هذه المجاعة، عُرف القَسَم الهولندي الشهير:

“لن نسمح بأن نجوع مرة ثانية أبدًا”.

ومن هنا بدأت أعظم نهضة زراعية في التاريخ الحديث.

1- القرار السياسي: الزراعة ليست عملًا للفلاحين، بل أمن قومي.

كان من قاد هذه الثورة وزير زراعة أسطوري يُدعى “سيسكو مانشولت”. قال هذا الرجل جملة غيّرت كل شيء:

“يجب أن نحوّل الزراعة من نشاط تقليدي إلى قطاع صناعي متكامل”.

بدأت الدولة بدعم أسعار المنتجات المهمة، وتشجيع المزارع الصغيرة على الاندماج في كيانات كبيرة وكفؤة، وضمان سعر عادل للمزارع لكي يستمر في الزراعة.

2- السلاح السري: العلم قبل الأرض.

تبلغ مساحة هولندا 41 ألف كيلومتر مربع فقط، ونصفها مهدد بالغرق، وأراضيها في معظمها مستنقعات وطين. فقالوا: لن نوسّع المساحة، بل سنوسّع آفاق التفكير.

اعتمدوا “المثلث الذهبي”: (الحكومة + الجامعات + الشركات الزراعية)، وأصبحت الجهات الثلاث تعمل معًا بتنسيق عالٍ.

وأصبحت لديهم أهم جامعة زراعية في العالم، وهي جامعة فاخنينغن (Wageningen).

3- الثورة الحقيقية: البيوت المحمية والزراعة الدقيقة.

هولندا اليوم هي ملكة البيوت الزجاجية والبيوت البلاستيكية في العالم.

يزرعون البندورة والخيار والفلفل داخل بيوت زجاجية مغلقة، ويتحكمون في الحرارة والضوء والمياه باستخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء.
يستخدمون مياهًا أقل بنسبة 90% من الزراعة التقليدية، ومبيدات أقل بكثير.
يحتاج إنتاج كيلوغرام واحد من الطماطم في البيت المحمي الهولندي إلى 4 لترات من المياه، بينما يحتاج في أي مكان آخر إلى 60 لترًا.
وهذا ما يُسمّى “الزراعة الدقيقة” و”الزراعة الرقمية”.

4- النتيجة التي تكاد لا تُصدَّق: دولة مساحتها تقارب مساحة محافظة حمص أصبحت:

ثاني أكبر مصدر للمنتجات الغذائية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، التي تبلغ مساحتها مئات أضعاف مساحة هولندا.
أكبر مصدر للبذور والزهور والبندورة والفلفل في أوروبا.
تنتج 24 كيلوغرامًا من البندورة من المتر المربع الواحد، بينما يبلغ المتوسط العالمي 9 كيلوغرامات فقط.

يكمن السر كله في نموذج البولدر (Polder Model)، أي أن يجلس الجميع حول طاولة مستديرة واحدة: الفلاحون والعلماء والحكومة.
في الختام:
لم تكن هولندا أرضًا خضراء وهبها الله لها، بل كانت أرضًا انتزعوها من البحر بالسدود والقنوات، وحوّلوها إلى جنّة بالعلم والتخطيط والتنظيم والتنسيق والتعاون.

إن الأزمة التي صنعت من هولندا دولة رائدة عالميًا في المجال الزراعي قادرة هي نفسها على أن تجعل من سورية أفضل دولة زراعية في العالم، علمًا أن المقومات الزراعية والمناخ في سورية أفضل بكثير من هولندا. ويبقى التحدي في كيفية استخدام العلم والتكنولوجيا والطاقات المتوفرة لدينا، وتكييفها لإحداث ثورة زراعية استثنائية.

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزير النقل يبحث تطوير برامج تدريبية تهدف لتعزيز الوقاية من حوادث الطرق ونشر ثقافة القيادة الآمنة

    بحث وزير النقل الدكتور يعرب بدر مع رئيسة جمعية «طرق من أجل الحياة» زينا قصار والوفد المرافق لها، وبحضور وزير الصحة الدكتور مصعب ...