د. سلمان ريا
لم يعد العالم الذي تشكّل في أعقاب الحرب الباردة قادراً على الاستمرار بالصورة التي أرادتها واشنطن. فالأحادية القطبية التي بدت، لعقود، وكأنها نهاية التاريخ السياسي وانتصار النموذج الأمريكي، أخذت تصطدم بواقع دولي أكثر تعقيداً، تتراجع فيه قدرة القوة المنفردة على صياغة إرادة العالم، وتتسع فيه المسافة بين امتلاك أدوات النفوذ والقدرة على توظيفها لإنتاج الاستقرار.
تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة، التي أسهمت في بناء منظومة دولية مترابطة اقتصادياً وسياسياً، أخذت تتعامل مع هذه المنظومة بمنطق الشركة التجارية التي تنظر إلى العالم بوصفه مجالاً لإعادة توزيع الأرباح والأعباء، لا فضاءً لشراكة استراتيجية متبادلة. وهنا يكمن الخلل في جوهر الرؤية. فالدول لا تُدار بعقلية الصفقات العابرة، والتحالفات التي تقوم على المصالح المتبادلة لا يمكن أن تستمر إذا تحولت إلى علاقات ابتزاز أو إملاء، وإذا أصبح الحليف مطالباً بدفع ثمن الحماية، فيما يتعرض اقتصاده ومصالحه لضغوط الدولة التي يفترض أنها شريكه.
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن شخصنة القرار السياسي، وتحويل العلاقات الدولية إلى تفاوض مباشر بين إرادات متنافسة، قد تحقق مكاسب تكتيكية، لكنها تضعف الثقة الاستراتيجية التي تحتاج إليها القوة الكبرى للحفاظ على موقعها. فالرئيس الأمريكي، مهما اتسعت صلاحياته، لا يتحرك في فراغ. هناك مؤسسات ومصالح اقتصادية وعسكرية وتشريعية، وتوازنات داخلية لا تستطيع الإرادة الرئاسية تجاوزها إلى ما لا نهاية. ومن هنا، فإن أزمة السياسة الأمريكية أعمق من اختلاف الإدارات أو تبدل الرؤساء، إنها أزمة في تعريف الدور الأمريكي ذاته، وفي العلاقة بين القوة والمسؤولية، وبين القيادة والهيمنة.
وقد بدأت آثار هذه الأزمة تظهر في مواقف الحلفاء التقليديين، ولا سيما في أوروبا، حيث تتزايد الدعوات إلى الاستقلال الاستراتيجي وتنويع مصادر الطاقة والتسليح والشراكات التجارية. وفي الشرق الأوسط أيضاً، لم تعد الدول تنظر إلى العلاقة مع واشنطن باعتبارها خياراً وحيداً لا بديل عنه، بل أصبحت توسع دوائر علاقاتها مع الصين وروسيا والقوى الآسيوية والإقليمية. وهذا التحول لا يعني انقطاعاً عن الولايات المتحدة، وإنما يعكس إدراكاً متنامياً بأن تنويع الشراكات أصبح ضرورة لحماية المصالح الوطنية من تقلبات القرار السياسي في العواصم الكبرى.
في سوريا، تبدو هذه المعضلة أكثر وضوحاً. فقد كشفت إدارة الملف السوري عن فجوة بين الخطاب السياسي وآليات التنفيذ، وبين القرارات المعلنة والنتائج التي تصل فعلياً إلى حياة الناس. إن تخفيف العقوبات أو رفع بعضها لا يساوي بالضرورة تحرير الاقتصاد من القيود، ما دامت المصارف وشركات التأمين والمؤسسات المالية تخشى مخاطر الامتثال، وما دامت التحويلات والاستثمارات تصطدم بتعقيدات قانونية وإدارية متراكمة. فالقرار الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق يفقد قيمته العملية، وتتحول السياسة عندئذ إلى إعلان بلا أثر اقتصادي ملموس.
ويزيد المشهد تعقيداً تعدد قنوات الاتصال والمبعوثين والوساطات غير الرسمية، وتداخل الأدوار السياسية والاقتصادية والتنفيذية، بما قد يضعف المرجعية الدبلوماسية ويجعل التعامل مع الدولة السورية محكوماً بتقديرات شخصية ومتغيرة.
إن استقرار سوريا لا يمكن أن يُبنى على إدارة الأزمات من وراء المؤسسات، ولا على علاقات مؤقتة تتبدل بتبدل الحسابات. إنه يحتاج إلى مسار سياسي واقتصادي واضح، يعترف بسيادة الدولة، ويعيد الاعتبار للمؤسسات، ويربط الانفتاح الخارجي بإعادة بناء الاقتصاد وحماية المجتمع.
أما الحرب في أوكرانيا والتوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، فهما جزء من مشهد دولي تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والتجارة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. غير أن استمرار التصعيد لا يضمن بالضرورة استعادة التوازن القديم، بل قد يسرّع تفككه، ويرفع كلفة الانقسام على الأطراف التي تسعى إلى إدامته. فالعالم الذي تتشابك اقتصاداتُه لا يستطيع أن يعزل الصراع السياسي عن نتائجه التجارية والمالية والإنسانية.
ومع ذلك، فإن الحديث عن نهاية الهيمنة الأمريكية بوصفها حقيقة مكتملة سابق لأوانه. فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك عناصر قوة عسكرية ومالية وتكنولوجية ومؤسسية هائلة. لكن السؤال لم يعد فقط من يمتلك القوة الأكبر، وإنما من يستطيع تحويل قوته إلى نظام مقبول ومستقر. فالتعددية القطبية لا تولد بمجرد صعود منافسين جدد، وإنما تحتاج إلى مراكز قادرة على بناء شبكات متكاملة للتجارة والتمويل والتكنولوجيا والطاقة والأمن، وإلى قواعد تحمي المصالح المشتركة من نزوات القوة المنفردة.
إن العالم لا يحتاج إلى استبدال هيمنة بأخرى، ولا إلى نقل مركز القرار من عاصمة إلى عاصمة، وإنما يحتاج إلى إعادة تعريف معنى القوة ذاتها. فالهيمنة تستطيع فرض الامتثال، لكنها لا تضمن القبول، والصفقة قد تنتزع مكسباً عاجلاً، لكنها لا تصنع الثقة التي تقوم عليها الشراكات طويلة الأمد. ومن هنا، فإن مستقبل الشرق الأوسط، وسوريا على وجه الخصوص، لن يتحدد فقط بنتائج الصراعات الدولية، وإنما بقدرة دول المنطقة على الانتقال من موقع ساحات التنافس إلى موقع الشركاء الذين يصوغون مصالحهم ويحمون خياراتهم.
لقد أصبح واضحاً أن قيادة العالم لا تُقاس بما تستطيع دولة أن تأخذه من الآخرين، وإنما بما تستطيع أن تبنيه معهم. وتلك هي المسافة الفاصلة بين قوة تفرض حضورها، وقوة تنجح في صناعة المستقبل.
(موقع: سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
