الرئيسية » كتاب وآراء » سوريا وشرق المتوسط:من جغرافيا الصراع إلى صناعة الاستقرار والتوازنات

سوريا وشرق المتوسط:من جغرافيا الصراع إلى صناعة الاستقرار والتوازنات

د. سلمان ريا

 

 

ليس الشرق الأوسط اليوم هو الذي عرفناه خلال العقود الماضية. فخرائط النفوذ تتبدل، والتحالفات تعيد ترتيب أولوياتها، وموازين القوة تبحث عن صيغ جديدة للاستقرار في عالم لم تعد تحكمه قطبية واحدة.

وبينما تتراجع صلابة المحاور التقليدية أمام براغماتية المصالح، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالطاقة، والجغرافيا بمستقبل طرق التجارة وسلاسل الإمداد.

في قلب هذا التحول تقف سوريا أمام استحقاق يتجاوز استعادة حضورها السياسي إلى إعادة اكتشاف دورها الاستراتيجي. فالجغرافيا السورية ليست مجرد مساحة تصل بين حدود متجاورة، وإنما ملتقى طرق بين البر والبحر، وبين المشرق وشرق المتوسط، وبين العمق العربي والامتداد الآسيوي والأوروبي. ومن هنا تنبع أهمية السؤال عن موقع سوريا في النظام الإقليمي المقبل، وعن قدرتها على الانتقال من جغرافيا استُنزفت في الصراعات إلى جغرافيا تصنع المصالح وتفتح آفاق التعاون.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن التحالفات القائمة على الاصطفاف الأيديولوجي لم تعد قادرة وحدها على ضمان مصالح الدول أو حماية استقرارها. فالمصالح الاقتصادية، وممرات الطاقة، وأمن الغذاء، وشبكات النقل والتجارة باتت عناصر أساسية في صياغة العلاقات الدولية. ولم يعد الحوار بين الخصوم تنازلاً بالضرورة، كما لم يعد التعاون بين المختلفين أمراً استثنائياً. إنها براغماتية المرحلة، حيث تتسع مساحة المصالح المشتركة من دون أن تختفي التناقضات أو ينتهي التنافس.

وهنا تستطيع سوريا أن تستعيد موقعاً يتجاوز حدودها السياسية. فهي مؤهلة لأن تكون بوابة شرق المتوسط إلى عمقه العربي والآسيوي، ونقطة وصل بين الخليج والعراق والأردن وتركيا، وامتداداً طبيعياً نحو لبنان، بما يتيحه التكامل بين المرافئ والطرق البرية والسكك الحديدية. ومن الساحل السوري واللبناني يمكن أن تتسع الدائرة البحرية نحو قبرص واليونان وسائر الموانئ الأوروبية، لتصبح حركة التجارة والنقل البحري جزءاً من منظومة اتصال إقليمية أوسع. إنها جغرافيا قادرة، إذا أحسن توظيفها، على وصل أسواق واقتصادات تتجاوز حدود المنطقة.

لكن الموقع لا يتحول إلى قوة بمجرد وجوده على الخريطة. إنه يحتاج إلى دولة تمتلك رؤية، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، ودبلوماسية تعرف كيف توازن بين الشراكات من دون الارتهان لمحور واحد. فمصلحة سوريا تقتضي بناء علاقات متوازنة مع السعودية ومصر وتركيا والعراق والأردن ولبنان وسائر دول المنطقة، على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة واستقلال القرار الوطني. كما تقتضي إدراك أن الأمن الحقيقي يبدأ من استقرار الداخل، وأن أمن الحدود ومكافحة التهريب والتطرف مسؤولية تتكامل فيها مصالح دول الجوار.

غير أن بناء هذا المستقبل يظل رهين معالجة الجروح التي تركتها الصراعات في البنية الاجتماعية. فاستدعاء الهويات الطائفية والمذهبية وتحويلها إلى أدوات سياسية لا يهدد التعايش وحده، وإنما يضرب الأساس الذي تقوم عليه الدولة والمجتمع. ولا يمكن لسوريا أن تستعيد دورها الطبيعي إلا بمواطنة تحمي التنوع، وتساوي بين المواطنين، وتجعل الانتماء الوطني مساحة جامعة تتسع للجميع.

أما اقتصادياً، فإن استعادة الدور السوري تبدأ من إعادة بناء القدرة على الإنتاج والاتصال. فالموانئ والطرق والسكك الحديدية وشبكات الطاقة ليست مشاريع بنية تحتية معزولة، وإنما أعصاب الاقتصاد الإقليمي. وتحتاج سوريا إلى بيئة تشريعية مستقرة، وإدارة شفافة، وضمانات موثوقة للاستثمار، حتى تتمكن من جذب رؤوس الأموال وتحويل موقعها إلى مركز للنقل البحري والخدمات اللوجستية والتجارة العابرة. عندها تصبح إعادة الإعمار أكثر من عملية ترميم للماضي، وتغدو تأسيساً لمستقبل اقتصادي جديد.

إن التحدي أمام سوريا ليس أن تختار موقعاً بين المحاور المتنافسة، وإنما أن تمتلك القدرة على بناء موقعها الخاص. فالدول لا تستمد مكانتها من عدد حلفائها وحده، وإنما من قيمة ما تضيفه إلى محيطها، ومن قدرتها على تحويل المصالح المتبادلة إلى علاقات مستدامة.

وربما تكون اللحظة الراهنة فرصة نادرة لإعادة قراءة الجغرافيا السورية بعين المستقبل. فالبحر الذي كان شاهداً على الحروب يستطيع أن يصبح ممراً للتجارة، والحدود التي فصلت بين الأسواق يمكن أن تتحول إلى جسور للتكامل، والموقع الذي جعل سوريا موضع تنافس القوى يمكن أن يمنحها دوراً في تقريبها. ذلك هو التحول الذي يستحق أن تعمل من أجله سوريا: أن تنتقل من ساحة تتقاطع فوقها إرادات الآخرين إلى فضاء تتلاقى فيه المصالح، ومن جغرافيا الصراع إلى صناعة التوازن والاستقرار.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تعالوا نحلل معاً… حنفية سقوط النظام البائد والمزاج العام في سورية  

  بقلم:أحمد جاسم الحسين   قبل نحو عام ونيف، كان يكفي أن أكتب منشوراً على صفحتي في فيسبوك، أنتقد فيه قراراً حكومياً، أو أشير إلى ...