الرئيسية » كتاب وآراء » تعالوا نحلل معاً… حنفية سقوط النظام البائد والمزاج العام في سورية  

تعالوا نحلل معاً… حنفية سقوط النظام البائد والمزاج العام في سورية  

 

بقلم:أحمد جاسم الحسين

 

قبل نحو عام ونيف، كان يكفي أن أكتب منشوراً على صفحتي في فيسبوك، أنتقد فيه قراراً حكومياً، أو أشير إلى خطأ ارتكبته جهة من الجهات العامة أو مسألة خدمية بسيطة (وأنا من المقلّين في الانتقاد)، حتى أجد نفسي أمام عدد كبير من التعليقات المنزعجة، بعضهم قد يتهمك بالتسرع في الحكم على سلطة لم يمضِ على وصولها سوى أشهر، وآخرون يطالبونك بالصبر، فهو مفتاح الفرج، فيما يذكّرك ثالث بحجم الخراب الذي تركه النظام الساقط، ويقولون لك: لقد اتسع الخرق على الراقع…! وقد ينتهي النقاش باتهامات تتعلق بموقفك من الثورة والانتصار (أين كنت قبل 14 عاماً)، أو التشكيك في النيات بمن فيهم أقرب الناس إليك!

اليوم، بات المشهد يختلف كلياً، لنجرب نشر منشور نقدي ستجد من يشجعك ويطالبك بالمزيد، ومن يضيف إلى ما كتبته عدداً من الشكاوى والتجارب…

أما إن أشرتَ إلى خطوة إيجابية، أو امتدحت عملاً جيداً قامت به مؤسسة، ستنهال التعليقات التي تشكك في جدوى ما حدث، أو تتهم الكاتب بتجميل الواقع (التطبيل).

المؤلم أن الكثير من السوريين قد غدا أكثر استعداداً لتصديق الأخبار السيئة، وأقل رغبة في سماع ما يمكن أن يبعث على التفاؤل، ويلحظ ذلك في المقاهي (بالتأكيد مر معك عزيزي القارئ) أو لدى حضورك أحد المجالس العامة. ومنشورات الفيسبوك أحد مقاييس المزاج العام (من باب العينة العشوائية)، التي تشير إلى تغير مهم في علاقة السوريين بالسلطة الجديدة.

نعم، لقد ورثت السلطة الحالية بلداً مدمراً واقتصاداً منهكاً، ومؤسسات مخترقة بالفساد، وبنية تحتية متداعية، ومجتمعاً موجوعاً… ولا يمكن إصلاح ذلك كله خلال أشهر، وربما يحتاج بعضه إلى سنوات طويلة، لا نختلف على ذلك…

أين تبدأ المشكلة؟

في التسويغ، وأن يتخذ ذلك دريئة، وإجابة جاهزة ثابتة لكل الأسئلة: لنأخذ امثلة على ذلك:

– انقطاع الكهرباء في ضوء ما تعرضت له البلاد من دمار يُعدُّ حالة طبيعية، لكن كيف نفسر تعيين مسؤول يفتقر إلى الخبرة؟

– نقص الموارد المالية طبييعي في ظرف مثل ظرف بلدنا، لكن ما علاقة ذلك بعدم إعادة المفصولين بسبب المشاركة بأعمال الثورة، وتعيبن الكثير ممن هم أقل منهم كفاءة بعقود خبرة؟

 

هنا تحضر صورة “الحنفية” التي كلما اشتد النقد فُتحت، فسال منها الحديث عن جرائم النظام البائد وفساده، هذا مهم، لكن لصلاحية ماء الحنفية حدود، والاستثمار في سوء النظام السابق ليس بلا نهاية، فنحن معكم جميعاً دفعنا الثمن، والتكرار لا ينفي الحاجة إلى الإنجاز، وسؤال ماذا فعلت أنت أخي المسؤول سيسبق ماذا فعل البائد!

صحيح، أن كثيراً منا، بدرجات متفاوتة، شارك في رفع سقف التوقعات مدفوعين بنشوة النصر وحماسنا وحبنا لبلدنا من جهة وثقتنا بأنفسنا ومحبّيننا من الجيران، ودول العالم من جهة أخرى.

لقد طال تفكيرنا الهادئ المنطقي حتى حضر، وهناك من استثمر في تأخره!

والإعلانات الاحتفالية عن المشاريع الكبرى، والاستثمارات ولّدت لدى عامة الناس شعوراً بأن التحسن يطرق الباب. صحيحٌ أن الهدف منها امتصاص الرأي العام وجذبه، لكن إن لم تحقق المواعيد ستغدو الخسائر مقاربة للفوائد!

نجاح السلطة لدى المواطن السوري قد لا يكون بكسر الجليد عن البلد أو عدد الزيارات الخارجية التي قام بها هذا المسؤول أو ذاك (وهي مهمة استراتيجياً). مقياسُ الكثير من المواطنين الرئيس هو: قدرته الشرائية وتأمين احتياجات أولاده.

أخذ باب حسن النية في تفسير الأخطاء يضيق أولاً بأول، والمواطن يشاهد بعينه المواكب والسيارات والبشر الذين يملؤون الكافتيريات والمطاعم من المسؤولين، حيث صار يسأل (وهو محق) من اختار هذا المسؤول؟ وما مؤهلاته؟ ولماذا لا تُنشر المعلومات المتعلقة بالقرارات التي تمسّ حياة الناس ولماذا غدونا طبقتين؟

قد يكون الكثير مما يتداوله الناس عن الفساد والمحسوبيات غير دقيق، وقد تختلط الوقائع بالإشاعات والمبالغات، إلا أن غياب المعلومات يترك المجال مفتوحاً لكل ذلك! الشفافية ليست فضائحية بل أسلوب حماية، فلماذا تغيب ويكثير اللف والدوران بدلاً منها ويغدو المؤثرون مصدرنا وحُماة لمسؤولينا؟

والسوريون الذين عانوا طويلاً من الرشوة والمحسوبية يدركون أنها لن تغيب بقرار إداري، لكنهم يريدون أن أن يثقوا اليوم بأن المخطئ سيحاسب مهما كانت صلته بأحد أصحاب القرار!

يُعَدّ الخروج من مرحلة الدفاع العاطفي إلى مرحلة المساءلة، على مستوى بناء الدولة، جانباً من النضج السياسي في ظل غياب الأحزاب، ويؤشر على أهمية حضور النقد كي لا تتراكم الأخطاء قبل البقاء في شهر عسل النصر التاريخي ( ماأجمله وما أغلاه من نصر).

بالتأكيد المزاج العام ليس واحداً في جميع المناطق السورية، فما يراه موظف في دمشق قد يختلف عما يراه فلاح في منطقة الفرات، أو صاحب محل في حلب! بيْد أن المشترك بين هؤلاء جميعاً هو أن الزمن يمضي والمحاسبة ضعيفة!

كثيرون ممن ينتقدون السلطة اليوم هم أنفسهم الذين فرحوا بسقوط النظام السابق ومن أنصار (بالحب بدنا نعمرها)، وربما كان غضب بعضهم نابعاً من اتساع المسافة بين الحلم والمآل!

والمزاج العام – كما هو معلوم- سريع التأثر بالأحداث، ويمكن أن يتحسن حين يرى الناس نتائج ملموسة على الأرض!

لعل أبرز ما تحتاج إليه السلطة السورية اليوم هو أن تفتح “حنفية المصارحة والشفافية” وأن يكون المواطن شريكاً في الحل، وأن تقول للناس ما تستطيع فعله اليوم، وما يحتاج إلى سنوات!

حنفيةُ إسقاط النظام البائد منحت السلطة الجديدة رصيداً استثنائياً من التسامح الشعبي، وغفران العثرات، أما اليوم، فالمقارنة آخذة في التغير، فبعد أن كان الكثير من السوريين يقارنون السلطة الجديدة بالنظام الذي سقط، غدوا يقارنونها بما وعدتْ به، وما توقعوه منها!

التحدي الحقيقي حاضراً ومستقبلاً يكمن بتغيير الاعتماد من حمولات ذاكرة السوريين المؤلمة عن أفعال النظام البائد إلى كسب ثقتهم من خلال المنجز والأداء وفرص العمل، ومعالجة المرضى وإصلاح المؤسسات وتوفير لقمة الخبز بسعر يلائم جيب المواطن.

نعم، ستبقى حنفية سقوط النظام البائد مفتوحة في الذاكرة السورية طويلاً وفاعلة ومؤثرة، لكن المواطن اليوم- بلغة واقعية- ينتظر ماءً جديداً يصل عبر “حنفية المنجز” إلى بيته، وحياته، ومستقبل أبنائه!

 

(أخبار سوريا الوطن-صحيفة الثورة السورية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حقائق ينبغي أن تبقى ماثلة في أذهاننا

    كتب محمد خير الوادي   يصعّد النتن، بشكل غير مسبوق ووقح، استفزازاته ضد سورية. فهو مستمر في قضم مزيد من الأرض، وإقامة الأسيجة ...