شهد نايف القراعزه
غيرت حرب النظام المخلوع جانباً من المشهد الزراعي في محافظة درعا، بعدما تعرضت مساحات من الأراضي للتجريف وتحولت حقول إلى مواقع عسكرية، ما ألحق أضراراً بالقطاع الزراعي وأثر في أنماط الإنتاج خلال السنوات الماضية.
واليوم، يتجه عدد متزايد من مزارعي المحافظة إلى زراعة الأشجار المثمرة بدلاً من الخضروات، مدفوعين بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الجدوى الاقتصادية، وشح الموارد المائية، في محاولة للبحث عن محاصيل أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق عائد أفضل.
ورصدت صحيفة “الثورة السورية” آراء عدد من المزارعين حول هذا التحول والتحديات التي تواجههم، حيث قال محمد الحريري إن الظروف التي دفعت إلى الابتعاد عن زراعة الخضروات تعود إلى حاجتها لمصروف يومي ومتابعة مستمرة، في حين يبقى الربح فيها غير مضمون، موضحاً أن الموسم قد يضيع بالكامل نتيجة موجة حر أو انخفاض مفاجئ في الأسعار، الأمر الذي دفع كثيرين إلى التوجه نحو الأشجار المثمرة باعتبارها أكثر استقراراً على المدى الطويل.
وأضاف الحريري أن تكلفة زراعة دونم الخضروات تضاعفت عدة مرات مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة والمحروقات والبذور، في وقت لا تغطي فيه أسعار البيع تكاليف الإنتاج، ما يسبب خسائر متكررة للمزارعين.
وحول الفروق التسويقية بين المحصولين، أوضح أن الخضروات سريعة التلف وتتطلب بيعها بشكل فوري، بينما تتميز الفواكه بإمكانية تخزينها في البرادات لأشهر عدة بانتظار تحسن الأسعار.
من جانبه، أكد هاشم الزعبي أن الاستثمار في زراعة الأشجار المثمرة يمثل تحولاً اقتصادياً مقارنة بزراعة الخضروات، مبيناً أن الفواكه تتمتع بفرص تصدير أكبر، ما يحقق عائداً أفضل للمزارعين ويعد من أبرز دوافع التوسع في زراعتها.
وأوضح أن الخضروات تحتاج إلى ري شبه يومي وكميات كبيرة من المياه، في حين تتحمل بعض الأشجار المثمرة فترات أطول بين الريات، مشيراً إلى أن نقص المياه وارتفاع تكاليف تشغيل الآبار جعلا الاستمرار في زراعة الخضروات أكثر صعوبة.
كما أشار إلى وجود تحديات تواجه زراعة بعض الأصناف، مثل المشمش والدراق والعنب، إضافة إلى انتشار بعض الآفات الزراعية كالدودة والعنكبوت، مؤكداً أهمية الالتزام ببرامج المكافحة الوقائية للحفاظ على الأشجار والحد من الإصابات التي قد تؤدي إلى جفافها أو تلفها.
تحديات البدائل الزراعية
بدوره، أكد المهندس الزراعي حسام شبانة، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن توجه المزارعين نحو الأشجار المثمرة يعكس بحثهم عن خيارات أكثر استقراراً وربحية في ظل المخاطر التي تواجه زراعة الخضروات، مشيراً إلى وجود فجوة بين نتائج البحوث الزراعية وتطبيقها على أرض الواقع.
وأشار إلى أهمية استباق هذا التحول عبر إدخال زراعات حديثة وملائمة قبل لجوء المزارعين إلى خيارات قد تنطوي على مخاطر، متسائلاً: إلى متى سيبقى المزارع يزرع البندورة ويتركها في الأرض هرباً من الخسارة؟
وأوضح أن غياب البدائل الزراعية المناسبة قد يدفع الدولة إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد بدلاً من الإنتاج المحلي، مؤكداً أن معالجة هذه المسألة تتطلب تقليل إنتاج المحاصيل التقليدية الفائضة وتوجيه التنوع الزراعي عبر الإرشاد والتوعية، بما يحافظ على استمرارية العمل الزراعي ويحد من عزوف المزارعين عن القطاع.
وأضاف أن إدخال محاصيل جديدة لا يعني الاعتماد على أصناف غريبة، وإنما على أنواع محلية أو مستوردة خضعت لدراسات بحثية دقيقة، لافتاً إلى أن بعض المناطق شهدت تحولاً واضحاً من زراعة الخضروات إلى الأشجار المثمرة، وفي مقدمتها الرمان والخوخ.
كذلك شدد شبانة على أن نجاح أي زراعة مروية يرتبط بتوفر الموارد المائية الكافية، مؤكداً أن الجهات المعنية مطالبة باستباق هذا التحول أو حماية المزارعين من الخسائر عبر ضبط حركتي التصدير والاستيراد بما يحافظ على المنتج المحلي.
وأضاف أن استدامة العمل الزراعي تتطلب تحقيق الربحية، الأمر الذي يستوجب تقديم الدعم والمساندة للفلاحين.
وبحسب شبانة، حققت تجربة التحول نحو زراعة الفستق الحلبي نجاحاً في مناطق محددة من محافظة درعا، فيما لم تحقق النتائج نفسها في مناطق أخرى، موضحاً أن مركز البحوث العلمية الزراعية أوصى بزراعة هذا المحصول في المناطق التي أثبتت الدراسات ملاءمتها له.
تسهيلات لإنعاش القطاع الزراعي
من جهته، أوضح مدير الزراعة في محافظة درعا المهندس عاهد الزعبي أن مساحات الأشجار المثمرة تتزايد بنسبة تقارب 5 بالمئة، وذلك على حساب الأراضي “السليخ” غير المزروعة حالياً، مبيناً أن هذه المساحات تعتمد غالباً على آبار غير مرخصة دون أن تؤثر بشكل مباشر في إنتاج الخضروات، التي تروى بدورها من مصادر مرخصة وغير مرخصة.
وأشار إلى أن المديرية تمنح الوثائق اللازمة للحصول على قروض التحول إلى الري الحديث، كما تعمل على توجيه المنظمات الدولية لتنفيذ مشاريع تسهم في نشر التقنيات التي تساعد على مواجهة الجفاف.
ولفت إلى أن هذا التحول يسهم في ضبط تنفيذ الخطة الإنتاجية والحفاظ على مستويات إنتاج متوازنة، إلى جانب الحد من استنزاف المياه الجوفية والحفاظ على المخزون المائي في السدود لأطول فترة ممكنة.
وأضاف أن المديرية تنفذ حملات توعية وإرشاد للمزارعين لتعزيز استخدام الأصناف المقاومة للجفاف وتقنيات الري الحديثة، وتشجيع حصاد المياه والتخطيط لزراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه بما يتوافق مع الموارد المائية المتاحة.
كما أكد أن الالتزام بمعايير الخطة الإنتاجية الزراعية، والاستفادة من الوسائل الحديثة لمواجهة الجفاف، وتطبيق الدورة الزراعية، وعدم الإفراط في استخدام المبيدات والأسمدة، تمثل جميعها عوامل أساسية للحفاظ على استدامة القطاع الزراعي.
ختاماً، يعكس التوسع في زراعة الأشجار المثمرة تغيراً في أولويات المزارعين بمحافظة درعا، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وشح المياه، وسط دعوات لتعزيز الإرشاد الزراعي ودعم التحول المدروس نحو محاصيل تحقق جدوى اقتصادية وتحافظ على استدامة الموارد والإنتاج المحلي.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن

