آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » ضعف البناء الدرامي وهشاشة النّص .. من يحدّد سقف الجرأة الرقابة أم المجتمع؟

ضعف البناء الدرامي وهشاشة النّص .. من يحدّد سقف الجرأة الرقابة أم المجتمع؟

محمد الحريري

​تشهد كواليس صناعة الدراما السورية تجاذباً يعيد رسم حدود المسموح والممنوع على الشاشات والمنصات الرقمية، وهذا التجاذب يضع صناع النص والنقاد وباحثي علم الاجتماع في مواجهة أسئلة جوهرية تتعلق بالهوية الفنية والمسؤولية الأخلاقية، ومع تغير آليات الإنتاج وظهور المنصات الرقمية، تبدلت معايير الحكم على العمل الفني، ما جعل الجرأة الفكرية والاجتماعية مادة للسجال اليومي ومحوراً لإعادة قراءة علاقة المشاهد المعاصر بالصورة الإشكالية المعروضة أمامه.

​عَرفت الساحة الفنية المحلية محطات مفصلية اخترقت فيها نصوصٌ عديدة السقوف السائدة، فكان هناك أعمال مثل “غزلان في غابة الذئاب” و”الولادة من الخاصرة” التي فككت بنياناً مؤسساتياً وسياسياً معقداً، وعرضت ظواهر استغلال النفوذ والفساد بشكل مباشر أثار حينها ذهول المتابعين، وأعمال أخرى اتجهت نحو التابوهات الاجتماعية والنفسية، فقارب مسلسل “تخت شرقي” العلاقات العاطفية المعاصرة بجرأة حوارية، وعكس مسلسل “عناية مشددة” قاع المجتمع بكامل قسوته من خلال ملفات تجارة الأعضاء والتحولات الأخلاقية الحادة.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور نمط مغاير من الجرأة البصرية الاستعراضية، تجسد في سلسلة “صرخة روح”، حيث ركزت هذه الإنتاجات على ثيمات الخيانة الزوجية والمشاهد الصادمة والألفاظ الصريحة، مما فتح الباب أمام نقاشات حادة حول توظيف هذه الأدوات لغايات تسويقية تجارية بحتة تهدف لتعويض ضعف البناء الدرامي والعمق الفكري.

المشهد الدرامي الأخير

يقدّم الناقد الفني مروان حسين في حديثه لـ”الثورة السورية” مراجعة للمواسم الأخيرة، موضحاً أنها شهدت تنوعاً واضحاً في المواضيع بين القضايا الاجتماعية والسياسية والعائلية، مع بروز ميل ملحوظ نحو تناول قضايا الشباب، والبحث عن الهوية، وتفكيك الصراعات الطبقية الحادة، مشيراً إلى أن بعض الأعمال نجحت في تقديم نبض الشارع بطريقة صادقة، خصوصاً الأعمال التي اعتمدت على الحكاية اليومية والتفاصيل الصغيرة، مثل طبيعة العلاقات الأسرية وضغوط المعيشة الاقتصادية اليومية للمواطن كمسلسل “مطبخ المدينة” و”عيلة الملك”.

​ويشير الحسين إلى أعمال أخرى ركزت بالكامل على عنصر الصدمة والتقليد الأعمى للمشاهد المعروضة في الدراما الأجنبية، فغابت تماماً عن الواقع المحلي، وبدت بعيدة كل البعد عن نبض الناس وهمومهم الأساسية، وهذا النمط من الأعمال يسعى إلى تحقيق رواج سريع على منصات التواصل الاجتماعي على حساب المعنى، ما يساهم في إضعاف القيمة الفكرية للمنتج الفني.

ويرى الحسين أن بعض الأعمال اتسمت بالجرأة، فكان منها المبرر وغير المبرر، لأن بعضها لم يخدم السياق الدرامي، حيث يظهر الفارق الجوهري في توظيف هذه الجرأة، فعلى سبيل المثال هناك أعمال اهتمت بمعالجة قضايا الفساد المؤسساتي أو العنف المنزلي بطريقة مباشرة وصريحة، فهذا التناول أعطى النص مصداقية عالية بشرط الحفاظ على التوازن الفني العام للعمل، أما عندما تتركز الجرأة على المشاهد المثيرة بصرياً دون وجود عمق فكري يسندها، فإنها تسقط في فخ المكياج التسويقي الذي يهدف لجذب الانتباه العابر، ويكشف بوضوح عن ضعف البناء الدرامي وهشاشة النص المصنوع.

متلازمة الجرأة الفضفاضة

​وحول واقع المادة الدرامية للمواسم الجديدة، يذهب الكاتب معن سقباني في حديثه لـ “الثورة السورية” إلى أن الملامح العامة للنصوص الجديدة لا تزال في طور النقاش ولم تتضح بصورة كاملة حتى الآن، مشيراً إلى وجود رغبة حقيقية ومشتركة من قبل المنتجين والمخرجين لإعادة تفعيل عجلة الإنتاج، فالتوجه العام يميل نحو تقديم دراما عائلية اجتماعية تحمل مضامين ذات قيمة فكرية واضحة تستقطب الأسرة بأكملها.

​وهذا التوجه حسب سقباني يعيد طرح التساؤل حول كيفية صياغة مفهوم الجرأة وضبط هوامشه، إذ يُختزل هذا المصطلح غالباً في مضامين ضيقة ومحددة تفقد القيمة الفنية معناها الحقيقي، فالمفهوم فضفاض ونسبي إلى درجة كبيرة، وتختلف القناعات حوله باختلاف البيئات والثقافات، مستدركاً أن الجرأة الإيجابية في الطرح تظل مطلوبة بشدة، بل وتتحول إلى واجب فني وأخلاقي عندما تناقش الدراما قضية شائكة ومعقدة تحتاج إلى من يحرك المياه الراكدة فيها بهدف البحث عن حلول.

​وهنا، يرى الحسين أن الجرأة تصبح قيمة مضافة وحقيقية عندما توضع في مكانها الصحيح لتخدم تطور الشخصيات وحبكة السيناريو، بشكل يمنح العمل مصداقية أكبر، مشيراً إلى أنه عند العودة للأعمال المقدمة في السنوات الأخيرة نلاحظ غياب الدراما العائلية على حساب التوسع في التصنيفات العمرية، الأمر الذي يهدد خصوصية المتلقي وارتباطه العاطفي بالمنتج الدرامي.

لذلك، ينوه سقباني لضرورة وجود آلية محددة لرسم الحدود الفاصلة بين الطرح البناء والصدمة المجانية، وذلك من خلال إعادة تفكيك الفكرة الأساسية، وتحديد طريقة عرضها، ووضعها دائماً أمام سؤال جوهري: “ما الذي أريد قوله بالضبط للمتلقي؟”، فهذه الرقابة الذاتية تمنح الكاتب صورة واضحة المعالم، تمكنه من قياس مدى حاجة النص للمشهد الجريء دون السقوط في فخ الإثارة البصرية العابرة.

​سقف الشارع وعشوائية المنصّات

​يرى سقباني أن مشكلة الأعمال الدرامية تتعمق مع حقيقة أن النسبة الأكبر من النصوص الحالية تندرج تحت بند “أعمال الاستكتاب” الموجهة لصالح جهات إنتاجية محددة، حيث يطلب المنتجون عادة من الكاتب تجنب الاصطدام مع أي مواضيع إشكالية قد تعوق إجازة العمل رقابياً، وهو سلوك يأتي بغرض اختصار الخطوات الزمنية نحو التنفيذ الفعلي وتجنب الخسائر المالية.

كما أن مزاج الجمهور الافتراضي يفرض على الكاتب حذراً أعلى بكثير من بنود الرقابة الرسمية الصارمة، والسبب في ذلك يرتبط باتسام مزاج الشارع بالمزاجية وتباين الآراء والعشوائية، فضلاً عن خضوعه لظروف آنية أو توجهات عابرة تحكمها منصات التواصل الاجتماعي، مما يجعل إرضاء هذا الجمهور معادلة شديدة التعقيد مقارنة بالقوانين المكتوبة.

​وفي هذا الإطار، تؤيد رئيس قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق الدكتورة ولاء يوسف هذا الطرح، فالمنصات الرقمية سحبت البساط من النخب الثقافية وصنعت سلطة بديلة تعتمد على التفاعل اللحظي، ما أوجد حالة من التنافر تسيطر على سلوك المشاهد، وخلق فجوة تفصل بين سلوك الفرد في فضائه الخاص وموقفه المعلن أمام الجماعة، إذ يشعر المتلقي بانجذاب طبيعي ونفسي لمتابعة المحتوى الصادم أو المثير للفضول خلف الأبواب المغلقة، ويندفع لمهاجمتها على العلن حمايةً لصورته الاجتماعية، وإثبات التزامه المطلق بمعايير الجماعة الثقافية والأخلاقية التي ينتمي إليها.

التحوّل في طبيعة الجمهور

يرى الناقد مروان حسين أن الأعمال الفنية القديمة بما فيها من مسلسلات وأفلام، قدمت محتوى جريء، ومع ذلك حظيت باحترام طويل المدى لكونها محكومة بالتريث الشديد، حيث كانت المشاهد الصادمة تأتي كضرورة حتمية تخدم البناء والسيناريو.

ويذهب الحسين إلى عمق تاريخي أبعد عند مقارنة هذه الحالة بالسينما السورية القديمة، موضحاً أن العديد من الأفلام السورية الكلاسيكية تضمنت قديماً مستويات عالية جداً من الجرأة البصرية والإيحاءات الصريحة، ومع ذلك مرت تلك المشاهد مرور الكرام دون أن تصطدم بجدار الرفض المجتمعي العنيف، ويعود ذلك أساساً إلى طبيعة الجمهور البسيطة والوعي الفطري السائد في تلك الفترة، والذي كان يتعامل مع الفن ببراءة وتصالح دون إسقاطات مسبقة.

​ويضيف أن طبيعة الجمهور والذائقة العامة شهدت تبدلاً جذرياً وعميقاً في العصر الحالي، فالانفتاح الرقمي حوّل المتلقي إلى شريك يمتلك أدوات المحاكمة الفنية، لكنه بات في الوقت ذاته أكثر حساسية وتوجساً، مما جعل الجرأة المعاصرة تواجه امتحاناً عسيراً، إضافة إلى أن بعض صناع المحتوى في الجيل الجديد استسهلوا الصدمة البصرية كأقصر طريق لتحقيق ضجة إعلامية مؤقتة تفتقر لعناصر الاستدامة الفنية، بدلاً من الاستثمار الحقيقي في بناء مشهدية عميقة وذكية تراعي هذا التحول في سيكولوجية الجمهور.

​ويحمّل الحسين الصحافة الفنية المعاصرة جزءاً من المسؤولية، مؤكداً تورطها في تضخيم معارك “التريند” الافتراضي على حساب القراءة النقدية والجمالية المتوازنة، ويرى أن الصحافة أصبحت تعكس ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي وتسعى وراء العناوين المثيرة والنزاعات الشخصية بين الفنانين لجذب المتابعين، مما تسبب في فقدان البوصلة النقدية المتوازنة التي تميز بين الجمال الفني والضجيج الإعلامي الفارغ.

أمام الرقابة

​تنتقل هذه التجاذبات مباشرة إلى المطبخ الإنتاجي وأروقة العمل، حيث يتبنى الكاتب معن سقباني واقعية مهنية مرنة عند حدوث صدام حول مشهد خلافي، مؤكداً تفضيله التام لخيار التسوية والتعديل الذكي على حساب سحب العمل كاملاً، لإيمانه بأن القدرة على المساومة والوصول إلى حلول وسط تبرز مهارة الكاتب ومرونته في إنقاذ جوهر رسالته الفكرية، فليس من مصلحة الكاتب سحب عمل من أجل مشهد يمكنه أن يبرز فيه طريقة ذكية بالطرح دون أن يصطدم مع أي رأي.

​ويعول سقباني على دور المخرج في الدفاع عن المشروع، معتبراً أن المخرج له دور كبير في حماية النص في حال كان شريكاً فعلياً ومؤمناً بالعمل، ومع ذلك، يرى الكاتب أن التشبث والدفاع المستميت عن فكرة خلافية واحدة ليس أمراً إيجابياً دائماً في صناعة الأعمال الدرامية التي تتطلب مرونة مستمرة.

وينظر إلى عمل الرقابة من زاوية إيجابية، مبيناً أن غياب البنود الواضحة بالعموم والاعتماد على خطوط عريضة متفق عليها ضمنياً يحمي الكاتب والمخرج أحياناً من الوقوع في فخ إثارة الجدل دون جدوى أو فائدة حقيقية، وتعد خطوة لا بد منها في مجتمعات تمتلك أصلاً محاذير مجتمعية وتحفظات لا بدّ من احترامها، غير أن الكاتب يضع شرطاً أساسياً لهذه العلاقة، فعندما تتحول وظيفة الرقابة إلى أداة توجيهية وسلطوية فهي بلا شك تعوق عملية الإنتاج، ومن هنا يجب أن تكون الرقابة عملية تشاركية حقيقية، وأن يكون الرقيب شريكاً للصنّاع لضمان تطور الصناعة المحلية.

السلوك الجمعي والمسافة النفسية

​تشير الدكتورة ولاء يوسف إلى أن طبيعة ردود الفعل العنيفة تجاه الدراما المعاصرة، ترتبط مباشرة بشعور الجمهور بالتهديد تجاه ما يسمى “الهوية الاجتماعية”، فعندما تعرض الدراما ظواهر سلبية حادة داخل المجتمع، يفسرها البعض كأنها هجوم مباشر على الجماعة التي ينتمون إليها، وتشويه متعمد لصورتهم، فتأتي ردود أفعالهم دفاعية وهجومية وإن كان المعروض حقيقياً وموجوداً في الواقع المعاش، وتعمق المعالجات السطحية والمبالغ فيها من هذا الشعور بالتهديد وتزيد المقاومة النفسية لدى الجمهور.

​وتضيف اليوسف مفهوماً نفسياً واجتماعياً آخر يتعلق بالمسافة الزمنية والمكانية، مفسرة تقبل المشاهد للجرأة في الأعمال التاريخية والبيئية ورفضها في السياق المعاصر، فكلما شعر الفرد أن الحدث بعيد عنه زمنياً أو مكانياً، قل شعوره بالتهديد الشخصي وازدادت قدرته على التعامل معه بموضوعية وتفهمه، أما عندما تعرض القضية نفسها في بيئته الحالية المعاصرة، تزداد الحساسية وتتحفز مجسات الدفاع لديه لكونها تصبح ملامسة لقيمه وعلاقاته المباشرة، لذلك يقبل المشهد الجريء نفسه في قصة تاريخية ويرفض في قصة تدور في الحياة المعاصرة أو ضمن ديناميكيات اليوم.

​وترى اليوسف أن المسألة تتعدى نوعية المحتوى لتصل إلى الأطر المرجعية المختلفة بين الأجيال، فالشباب الذين يتعرضون يومياً لثقافات متعددة يطورون معايير مختلفة للحكم على الفن والعلاقات والحرية الفردية، بينما تعتمد الأجيال الأكبر على منظومات مرجعية تشكلت في سياق اجتماعي مختلف، وكلما اتسعت الفجوة بين المرجعيتين زاد احتمال سوء الفهم المتبادل، مستدركة أن القطيعة ليست حتمية ويمكن تقليصها إذا استطاع المنتج المحلي التعبير عن تجارب الشباب بلغة يفهمها أجيال أكثر منهم.

وفي علم النفس الاجتماعي، تؤكد اليوسف أن الجمهور لا يحكم على السلوك البصري، وإنما يحاكم “النية المدركة” التي تختبئ وراء السلوك، فإذا شعر المشاهد أن الجرأة تخدم فكرة عميقة، أو رسالة مجتمعية واضحة، أو تطوراً منطقياً في سياق الأحداث، فإنه يبدي استعداداً كبيراً لتقبلها واستيعابها، أما إذا فسر وجود المشهد كمحاولة للفت الانتباه، أو رغبة في تحقيق المشاهدات وإثارة الجدل التجاري، فإن رد الفعل السلبي يزداد حدة وتتحول المناقشة إلى هجوم شامل، مما يعني أن المتلقي يتفاعل مع تفسيره الخاص لسبب وجود المشهد وليس مع المادة البصرية المعزولة.

​ترتكز جدلية الجرأة في مشهد الدراما السورية اليوم في كونه يتحرك ضمن ثلاثة محاور أساسية تحكم سلوك المتلقي: إدارة الصورة الاجتماعية للفرد أمام جماعته، والدفاع المستميت عن الهوية الجماعية المعاصرة، وتفسير النوايا الخلفية لصناع العمل الفني، وهذا التداخل النفسي المعقد يفسر كيف يمكن للمجتمع نفسه أن يهاجم عملاً درامياً بعنف شديد عبر المنصات، وبالمقابل يشاهده بكثافة خلف الأبواب المغلقة، لينقسم حوله في الوقت ذاته دون أن يشكل هذا السلوك تناقضاً نفسياً حقيقياً، فهو آلية دفاعية لحماية التوازن بين الرغبة الخاصة والامتثال للأعراف السائدة.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سيرين عبدالنور ترد بحزم على اتهامات طالتها بسبب فيديو ابنها كريستيانو

أثارت الفنانة اللبنانية سيرين عبدالنور موجة واسعة من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول مقطع فيديو يجمعها بابنها كريستيانو، ما دفعها إلى الرد بشكل ...